هذه المدونة

بعد أن هالني حجم الكذب وتعمد قلب الحقائق التي قام بها من هم وراء مسلسل الجماعة، وتوظيف المسلسل لتشويه التاريخ، ومحاولة التأثير على المشاهدين لتكوين صورة مشوهة عن الجماعة ومؤسسها بل عن الإسلام ذاته، حاولت أن أقدم فى هذه المدونة نقلا من مذكرات الإمام حسن البنا وبعض الكتب الأخرى، حقيقة الأحداث التى قدمت بهذا التشويه الفج، وهذا الكذب الذي لا علاقة له بالإبداع على الإطلاق

السبت، 4 سبتمبر 2010

حقائق فى قضية قتل الخازندار

تناول المسلسل حادثة قتل الخازندار كعادته فى تتبع العثرات والزلات والسقطات وإبرازها والمبالغة فيها وتحميلها ما لا تحتمل، بل وكعادته فى اختلاق أحداث لم تحدث، واستخدام عبارات قريبة من الحقيقة (بعد تغيير بعض ألفاظها التى تغير المعنى تماما) ووضعها فى إطار غير حقيقى يخدم الفكرة الكاذبة التى يحاول الترويج لها، واستخدام كل عناصر الدراما فى إتجاه تأكيد هذا الكذب والبهتان.
وهذا الموضوع لا يمكن الإحاطه به فى مثل هذه المساحة، ولكن من الممكن تسجيل الحقائق التالية (ومراجع الموضوع موجودة للتحقق من التفاصيل):
1- هذه الحادثة كانت خطأ، بل خطيئة ارتكبها النظام الخاص، وكانت حادثة فريدة لم تتكرر في تاريخ الإخوان.
2- لم يكن للأستاذ حسن البنا المرشد العام علم بهذه الحادثة، ولا أذن فيها، ولا أخذ رأيه فيها.
3- وعندما علم حسن البنا كان رد فعله الذي ذكره الأستاذ محمد فريد عبد الخالق، أنه وجده أشد ما يكون غضبا وحنقا، حتى إنه كان يشد شعره من شدة الغضب، وقال له: أرأيت ما فعل إخوانك يا فريد؟ أرأيت هذه الجريمة الحمقاء؟ إني أبني وهو يهدمون، وأصلح وهم يفسدون. ماذا وراء هذه الفعلة النكراء؟ أي مصلحة للدعوة في قتل قاض؟ متى كان القضاة خصومنا؟؟ وكيف يفعلون هذا بدون أمر مني؟ ومن المسؤول عن الجماعة: المرشد العام أم رئيس النظام الخاص؟ هؤلاء سيدمرون الدعوة، إن هذه الرصاصات أطلقت على صدري أنا.
4- الذي تولى كبرها، وحمل تبعتها هو النظام الخاص ورئيسه عبد الرحمن السندي، الذي دبر العملية وخطط لها، وأمر بتنفيذها، ولما سئل: كيف تقوم بمثل هذا العمل، دون أن تأخذ أمرا صريحا من المرشد العام؟ قال: إني سمعت من المرشد ما يفيد جواز قتل هذا القاضي، وإن لم يكن تصريحا. قيل له: وماذا سمعت من المرشد؟ قال: عندما أصدر القاضي الخازندار حكمه على بعض شباب الإخوان في إحدى الحوادث بالحكم سبع سنوات، في حين حكم في قضية أخرى من أخطر القضايا على المتهم بالبراءة، قال: ربنا يريحنا من الخازندار وأمثاله.
قيل له: وهل مثل هذه الكلمة تعطيك فتوى بشرعية قتله، مع أن مقصود الأستاذ: ربنا يريحنا منه بتعيين القضاة العادلين الصالحين، أو بالموت أو بالعزل، وليس بالقتل. فالقتل لا يحل المشكلة قط.
5- قضية النظام الخاص وإنشاءه وأهدافه ومشاكله تحتاج إلى تفاصيل كثيرة ولكن أسوق لحضراتكم جزء من حيثيات الحكم فى قضية السيارة الجيب (ولها تدوينة مستقلة قادمة بمشيئة الله)

قالت المحكمة:

حيث أن الاتهام وقد عزا إلى جماعة الإخوان المسلمين السعي إلى قلب نظام الحكم بالقوة وقال إن الإدارة التي أعدوها لتحقيق هذه الغاية هي جماعة إرهابية دربت وأعدت وسميت بالنظام الخاص.

وهذا الذي صوره الاتهام فيه خلط بين أمرين: الأمر الأول: التدريب على استعمال الأسلحة وحرب العصابات. والأمر الثاني: ذلك الاتجاه الإرهابي الذي انزلق إليه بعض المتطرفين من أفراد تلك الجماعة، وكان من أثر هذا النظر أن انتهى الاتهام إلى القول بأن النظام الخاص بجملته نظام إرهابي.

وحيث أن المحكمة ترى التفرقة بين الأمرين، فالنظام الخاص يرمي إلى إعداد فريق كبير من الشباب إعدادًا عسكريا تطبيقًا لما دعى إليه مؤسس هذه الجماعة في رسائله المتعددة من أن الأمر أصبح جدًا لا هزلاً، وأن الخطب والأقوال ما عادت تجدي، وأنه لا بد من الجمع بين الإيمان العميق والتكوين الدقيق والعمل المتواصل وأن حركة الإخوان تمر بثلاثة مراحل: الأولى مرحلة التعريف بنشر الفكرة، والثانية مرحلة التكوين لاستخلاص العناصر الصالحة لأعباء الجهاد، ونظام الدعوة في هذا الطور مدني من الناحية الروحية وعسكري من الناحية العملية، وشعار هاتين الناحيتين دائمًا أمر وطاعة من غير بحث ولا مراجعة، والمرحلة الثالثة مرحلة التنفيذ وهذا الإعداد دائما قصد به تحقيق ما ورد صريحًا في قانون الجماعة من أن من بين أهدافها تحرير وادي النيل والبلاد الإسلامية، وهذا النظام الخاص بحكم هذا التكوين لا يدعو إلى الجريمة ولا يعيبه أن فريقًا من أفراده كونوا من أنفسهم جماعة اتفقوا على أعمال القتل والتدمير.

6- إذا كان من المقبول عبارة "الأخوان قتلوا الخازندار" فإنه يكون من المقبول أيضا عبارات مثل "أمن الدولة قتلت سوزان تميم"!!! أو "الجيش المصري قتل السادات" !!! أو أن "المسلمين قتلوا الآلاف فى 11 سبتمبر"!!

للمزيد يمكنكم قراءة العديد من الكتب التى تحدثت عن هذه الفترة وسأنشرها مع روابط لها بمشيئة الله قريبا


الأربعاء، 1 سبتمبر 2010

الكذاب يتمادى ويخترع تاريخ على مزاجه

ويستمر كذاب مسلسل الجماعة فى جريمة تزوير التاريخ ببجاحة منقطعة النظير فيخرج علينا فى الحلقة الثالثة والعشرين بثلاث كذبات فاضحة أولها أن الإخوان يدعون أنهم جماعة المسلمين والخارج عليهم خارج على الإسلام!!! والكذبة الثانية ماحدث فى انتخابات 1944 أثناء وزارة أحمد ماهر فيخترع قصص وحكايات غير موجودة فى أي مصدر على وجه الأرض ثم يختم بجريمة لم يسبقه لها أحد وهى أن الإخوان هم من قتلوا أحمد ماهر!!! (طيب النقراشي والخازندار سمعنا عنهم قبل كده!! إنما أحمد ماهر كمان!!! يا مفترى)، هذا غير السم الزعاف فى رسم ملامح شخصية حسن البنا الذي نكتشف فى كل حلقة المزيد من الصفات السلبية والدنيئة التى يحاول هذا الكذاب ببجاحة إلصاقها به.
وطبعا موضوع جماعة المسلمين ده لا يستحق الرد لأنه لا يوجد إلا فى خيالات المتحاملين والجهلة بالإخوان، فقراءة بسيطة فى أي من أدبيات الإخوان تكشف بطلان هذا الإدعاء الكاذب، وتفاصيل انتخابات 1944 موجودة فى العديد من المصادر، نقلت لكم من كتاب أحداث صنعت التاريخ من شهود العيان، وطبعا موضوع قتل أحمد ماهر الذي سيأتي فى الحلقة الخامسة والعشرين إختراع هذا الكذاب سأنقل ما كتب عنه نفس المصدر السابق

محاولة أخري لدخول مجلس النواب :

كان ذلك في أواخر عام 1944 بعد أن استطاع الملك إقالة وزارة الوفد معتمدًا علي ما قدمته له هذه الوزارة من أسلحة بما تورطت فيه من أخطاء مست صميم الشعب في قوته من المأكل والملبس وأقبلت الوزارة وحل مجلس نوابها كالمعتاد ، وأعلن عن انتخابات جديدة لمجلس نواب جديدة ، وقرن هذا الإعلان كالمعتاد أيضًا بالطعن في نزاهة الانتخابات السابقة ، وبأن الانتخابات القادمة ستكون حرة مائة في المائة . وقرر الإخوان دخول هذه الانتخابات بترشيح الأستاذ المرشد في دائرة الإسماعيلية وترشيح عدد آخر من الإخوان في دوائر مختلفة .

كان هناك حرص شديد من الدولة الجديدة علي إبراز هذه الانتخابات في صورة مغايرة لتلك التي كانت عليها انتخابات حكومة 4 فبراير سنة 1942 التي كان من أبرز ما عرف عنها وشوه صورتها منع الأستاذ المرشد العام للإخوان المسلمين من ترشيح نفسه وإرغامه علي سحب هذا الترشيح ،وكان لهذا المنع ضجة في جميع أنحاء البلاد .. ولكن أسلوبًا آخر في الخفاء ومن وراء الكواليس كان يجري حسب مشيئة السادة المستعمرين :- في رسالة بعث بها الصاغ محمود لبيب رحمه الله إلي جريدة المصري في سبتمبر سنة 1950 جاء فيها ما يلي :-

" في وزارة أحمد ماهر باشا أراد المرشد العام أن يرشح نفسه ، فعلمت أنا من أحد أصدقائي أن خطابًا أرسل من السفارة البريطانية إلي أحمد ماهر باشا يطلب فيه منه أن يعمل علي منع المرشد العام والأستاذ البرير (كان من كبار السودانيين الأحرار المقيمين بمصر المؤمنين بوحدة وادي النيل) المرشح في دائرة عابدين من التقدم للانتخابات ... فأسرعت إلي فضيلة المرشد فأبلغته ذلك فضحك واستبعد هذه الفكرة . وفي اليوم التالي طلبه أحمد ماهر باشا لمقابلته فلما قابله طلب منه أن يسحب ترشيحه .. وحاول أن يقنعه فرفض . فقال له : لماذا تتشدد معي وقد قبلت مثل هذا من حكومة النحاس باشا وتنازلت عن ترشيحك ؟ .

فرد عليه بقوله : إن حكومة النحاس باشا كانت تواجه حالة سياسية مضطربة في الداخل والخارج ولم يكن هناك بد – إجابة لداعي الوطنية الكريمة – من أن نقبل منها هذا ؛ إذ كانت الحالة تدعو إلي توحيد الجهود لا إلي توزيعها لوجود الأعداء داخل الأراضي المصرية . يقول الصاغ محمود لبيب : وقد قابلت بعد ذلك علي البرير بك فقال لي إن أحمد ماهر باشا طلب هو الآخر وأطلعه بالفعل علي خطاب السفارة الانجليزية . فلما ووجه القصر ممثلا في هذه الأحزاب بإصرار الإخوان علي ترشيح مرشدهم في الانتخابات وجدوا أنفسهم أمام أمرين أحلاهما مر : ففتح الطريق أمام حسن البنا إلي مجلس النواب كارثة حيث نجاحه في هذه الدائرة أمر لا شك فيه .. كما أن منعه من الترشيح يهدم صرح الدعاية الذي شيدوه علي أساس من الحرية المطلقة التي ادعوا أنهم مما جاءوا ليردوا إلي الشعب ما حرمه الوفد منها .

وظلوا في حيرة من أمرهم حتى اهتدوا إلي الحل الأمثل الذي علمنا أخيرًا أنه إنما جاءهم من عند واضعي أدوار التمثيلية والذين اختاروا ممثليها والذين تكلفوا بإخراجها إلي الجمهور ، وتبين لنا أن واضع الرواية ومخرجها قد تضطره الظروف إلي القيام بنفسه بدور البطولة فيها وإلا فشلت التمثيلية ولم تحقق هدفها .. واتضح أن واضعي التمثيلية وموزعي أدوارها هم المستعمرين الانجليز . وبدا للجمهور علي المسرح أن ترشيح المرشد العام لا يلقي أي اعتراض من الحكومة ونظرًا لما جبل عليه الإخوان من حسن الظن وسلامة الطوية اعتقدوا أن هؤلاء الناس قد راجعوا ضمائرهم ورغبوا في تحسين علاقاتهم بالإخوان والسير في ركب المواطنين الصالحين .

مفاجـأة :

لم يبذل الإخوان أي جهد في الدعاية للمرشد العام في دائرته – كدأب ما يبذل للمرشحين في دوائرهم – لأن أهل الإسماعيلية بعثوا إلي القاهرة بوفود تمثلهم لتقديم شكرهم إلي الأستاذ المرشد العام أن آثرهم علي جميع دوائر القطر بترشيح نفسه في دائرتهم مع أن جميع الدوائر كانت تتمني أن تحظي بترشيحه فيها .. وتكفل أهل الإسماعيلية بدفع التأمين من جيوبهم . ولما جاء يوم الانتخاب فوجئ أهل الإسماعيلية بتدخل الجيش البريطاني في الانتخابات بأن أحضروا أعدادًا كبيرة من العمال الذين يعملون فيه في سيارات وأدي هؤلاء العمال الانتخاب بتذاكر مزورة بأسماء ناخبين أهل الإسماعيلية وهؤلاء جميعًا ينتخبون المرشحين الآخرين . واحتج أهل الإسماعيلية وأهملت السلطات احتجاجاتهم وانتهي يوم الانتخابات . وظهرت نتائج الانتخابات وكانت نتيجة دائرة الإسماعيلية إعادة بين الأستاذ المرشد وبين مرشح آخر .

هنا بدأ الإخوان يفهمون الوضع علي حقيقته حيث بان الخفي ووضح الأمر ، وتبين أن الانجليز تعزيزًا لمركز حكومة السعديين التي يريدونها ، وافقوا علي أن تظهر هذه الحكومة أمام الشعب بمظهر الموافق علي ترشيح المرشد العام علي أن يتكلفوا هم – أي الانجليز – بإسقاطه ويكون ذلك بالطريقة الآتية :

أن يرشحوا ضده أكثر من واحد من المقاولين الذين يعملون معهم في الجيش ... ونظرًا لتوزع قوة الحكومة في جميع دوائر القطر لحفظ الأمن فسيكون جهد الجيش الانجليزي مع قوة الأمن العادية في الإسماعيلية قاصرًا علي عدم إعطاء المرشد العام أغلبية مطلقة من الأصوات ... فيعاد الانتخاب بينه وبين أحد المرشحين الآخرين ، وهنا في الإعادة تتاح الفرصة لحشد أكبر قوة ممكنة من قوات بوليس الحكومة المصرية للتعاون مع الجيش البريطاني تعاونا يكفي لإسقاطه . وينبغي أن يكون معروفًا أن حكمدار – مدير الأمن – في محافظة القنال كان في ذلك الوقت انجليزيًا ،وأن شركة قنال السويس كان مقرها الإسماعيلية ، وأن قيادة جيش الاحتلال البريطاني كان مقرها الإسماعيلية ،وأن عشرات الآلاف من العمال المصريين الذين يعملون في الجيش البريطاني قد أتوا من مختلف بلاد القطر وأكثرهم من الصعيد ،وكان العامل يتقاضي من الجيش البريطاني أجرًا يعادل ضعفي ما يتقاضاه علي نفس العمل في أي مكان في البلاد .

معركة الإعـادة :

من التجاوز في التعبير أن تسمي ما حدث في الإسماعيلية في ذلك الوقت معركة الإعادة أو معركة الانتخابات ؛ فإن الذي حدث كان حربًا أعلنتها الحكومة المصرية متضامنة مع الجيش البريطاني ضد أهل مدينة الإسماعيلية . لقد سافرت إلي الإسماعيلية ضمن عدة مئات من الإخوان من مختلف أنحاء البلاد لنشهد هذه المعركة التي توقعنا أنها ستكون معركة حامية ، لكن الذي رأيناه قد فاق كل ما خطر ببالنا ، ولولا أننا شهدنا بأعيننا لما صدقنا أن يحدث هذا الذي حدث .. وشاء الله أن تكون أكثر بلاد القطر ممثلة لتري بعينها الجريمة التي لم يحدث لها مثيل من قبل ولا أعتقد أن يحدث مثلها من بعد حتى تكون كل البلاد في مصر علي علم بما حدث . ولكي يكون القارئ في مخيلته صورة مصغرة لما حدث فسأضع تحت ناظريه بعض مناظر من أحداث ذلك اليوم .

المنظر الأول : خرج أهل الإسماعيلية منذ الصباح الباكر متجهين إلي أماكن اللجان الموزعة في أنحاء الدائرة ليدلوا بأصواتهم ،ومع كل منهم تذكرته الانتخابية ، فوجدوا أمام مدخل كل لجنة سيارة ضخمة من سيارات نقل الجيش البريطاني تغلق هذا المدخل وتحول بين الناخبين وبين الدخول إلي اللجنة .

المنظر الثاني : كثر عدد الناخبين بمرور الوقت أمام مقار اللجان ، ولما طال انتظارهم ولم تتحرك السيارات المعترضة ، حاولوا اقتحام السيارات للدخول فإذا بقوات ضخمة من بوليس القنال والبوليس المستقدم من القاهرة ومن جهات أخري تعترض طريقهم وفي أيديهم الأسلحة والهراوات .

المنظر الثالث : يلجأ الناخبون إلي الأستاذ المرشد يشكون إليه فيتصل بالمحافظ فيطمئنه المحافظ ولكنه لا يعمل شيئًا فيلجأ إلي الحكمدار الانجليزي فيتز باتريك فيرد عليه بأن عنده تعليمات من الجهات العليا ينفذها .

المنظر الرابع : القوات الضخمة من البوليس فجأة تهاجم الناخبين المحتشدين أمام مقار اللجان وتعمل فيهم هراواتهم وتهددهم بأسلحتهم حتى تبعد بهم بعض الشيء عن مقار اللجان . ثم تطوقهم تطويقًا محكمًا . وهنا تري ناقلات ضخمة من ناقلات الجيش البريطاني قادمة وهي محملة بعمال الجيش البريطاني ، وفي سرعة جنونية تتجه إلي مقار اللجان ، وتكون السيارات المعترضة للمداخل قد أفسحت الطريق فتدخل هذه السيارة حتى باب المبني الذي به لجنة الانتخابات ، وتلصق مؤخرتها بالباب وتفرغ حمولتها من العمال فيدخل كل منهم ويقدم للجنة تذكرة باسم ناخب من ناخبي اللجنة ، ورئيس اللجنة وأعضاؤها يعلمون أن أحدًا من هؤلاء العمال لا يحمل بطاقة انتخابية باسمه بل ليس منهم من يعرف الاسم المكتوب في البطاقة التي يقدمها ،وكل ما لقنه هؤلاء العمال هو أن ينتخبوا الاسم الذي حفظوه وهو اسم المرشح المنافس للأستاذ المرشد .

المنظر الخامس : بعد أن تفرغ السيارة حمولتها تظل في وضعها حتى تؤدي الحمولة المهمة المكلفة بها ثم ترجع الحمولة إلي مكانها في السيارات حتى إذا امتلأ رتل السيارات التي جاءت معًا ينطلق الرتل دفعة واحدة خارج مقر الدائرة وفي سرعة جنونية بين صفوف جنود البوليس حتى تختفي عن الأنظار داخل المعسكرات البريطانية ؛ وبعد قليل يأتي رتل آخر ويمثل الدور نفسه .

المنظر السادس : يدخل الأستاذ المرشد مقر إحدى اللجان ويضبط بنفسه أمام أعضاء اللجنة مائة تذكرة انتخابية مزورة يحملها غير أصحابها من هؤلاء العمال ، ويقدمها لوكيل النيابة فلا يتخذ وكيل النيابة أي إجراء سوي أنه يتسلم التذاكر قائلا إنه سيجري تحقيقًا دون أن يفعل شيئًا .

المنظر السابع : أمام هذه المهازل وهذا الإجرام لم نتمالك نحن – الإخوان الزائرين – أعصابنا فوجدنا أنفسنا نهاجم سيارات الجيش البريطاني المحملة بالعمال ونحاول منعها من دخول اللجان ، فإذا بقوات البوليس تهاجمنا بقيادة فبتز باتريك الحكمدار ، وقد رأيت هذا الحكمدار الانجليزي يأمر الجنود بحملنا في سيارات نقل جاءوا بها وحملت أنا شخصيًا مع مجموعة من الإخوان إلي إحدى هذه السيارات وسط مناقشات حادة بيننا وبين هذا الحكمدار . وبعد أن دخل رتل السيارات القادم من المعسكرات البريطانية والذي كنا نهاجمه إلي مقار اللجان أمر هذا الحكمدار بإطلاق سراحنا .

المنظر الثامن : عند انتصاف النهار ، قرر الإخوان أن يقوموا بعمل عنيف قد يؤدي إلي وقوع ضحايا من الجانبين ، ويبلغ ذلك مسامع الأستاذ المرشد فيحضر حيث يجتمع الإخوان وينهي إليهم رأيه بعدم موافقته علي هذا الإجراء ويقول : إن دماء الإخوان أعز عليه من أن تسفك في سبيل معركة مهما بلغنا في أهميتها فإنها لا تعدو أن تكون معركة جانبية .

ولكن أهمية هذه المعركة الجانبية أنها كشفت لنا بوضوح حقيقة الاستعمار الذي يجثم علي صدر بلادنا وحقيقة ساستنا الذين يتظاهرون أمام الشعب بالوطنية وهم في السر قد تعاقدوا مع الانجليز علي أن يكونوا مطايا لهم وتعالا في أقدامهم يدهسون بها رقاب الشعب المسكين . وينقضي هذا اليوم الأخير ... وتعلن نتيجة الانتخابات بسقوط المرشد العام في الدائرة التي يعلم كل مصري وكل عربي بل ويعلم العالم كله أن هذه الدائرة هي عقر داره ، وأن رجالها ونساءها وأطفالها لا يهتفون إلا باسمه ويؤثرونه علي آبائهم وأمهاتهم .

موقف مسرحي للانجليز :

بدت إقالة الملك لوزارة الوفد يوم إقالتها وكأنها انتصار الملك ... لا لأنه أقال وزارة وفدية – فقد أقال من قبل وزارات وفدية – وإنما لأن وزارة الوفد التي أقالها هذه المرة كانت مؤيدة تأييدًا سافرًا من الانجليز ، ولازال اقتحام الدبابات البريطانية سور قصر عابدين لإرغام الملك علي استدعاء النحاس للحكم ماثلا في الأذهان ... فكأن الملك وقد تمكن من إقالة هذه الوزارة قد انتصر علي الانجليز وتغلبت إرادته علي إرادتهم ... ويبدو أن الانجليز كانوا راغبين في إيهام الشعب بهذا المعني فتظاهروا بأنهم غلبوا علي أمرهم ... وتركوا وسائل إعلامنا تبرز هذا المعني أيضًا حتى استقر ذلك في نفوس الشعب . وقد استطاع الانجليز – بهذا الموقف المسرحي – تحقيق الأهداف التالية :

الهدف الأول : أنهم حطموا الوفد باعتباره الهيئة الشعبية المسيطرة ، فقد دخل الوفد الحكم وله في نفوس الشعب الحب والإعزاز . وغادره فاقدًا هذا الحب والإعزاز وحل محلهما البغض والمرارة حيث عانوا في ظل حكمه شظف العيش وقسوة الحياة نتيجة ندوة مواد المعيشة ، واستيلاء الجيش البريطاني علي أطيابها ثم تسلط أتباع الوفد من كبار الموظفين والتجار علي البقية الباقية من هذه المواد بالسلب والنهب والاستغلال .. وهو الهدف الذي أشرنا إليه من قبل عند مناقشتنا لحادث 4 فبراير سنة 1942 ... ولا يخفي أن الطريقة السافرة التي اختارها الانجليز في 4 فبراير لتمكين الوفد من الحكم هي في حد ذاتها قد زلزلت ثقة الكثيرين في الوفد – لكن ما ارتكبه الوفد من أخطاء في أثناء حكمه قد أتت علي البقية الباقية له في النفوس ... وربما كان إحساس الوفد بنجاح سياسة الانجليز في إفقاده ثقة الشعب هو الذي دفعه بعد ذلك إلي تغيير سياسته التقليدية في معاداة الملك وإبدالها بسياسة التزلف إليه والتملق له .

والهدف الثاني : أنهم رغبوا في إنساء الشعب مرارة ما استقر في نفوسهم من آثار الاعتداء والصلف وامتهان الكرامة فيما اتخذوه من إجراء يوم 4 فبراير سنة 1942 .. وقد رأوا أن ظهورهم بمظهر المستكين المغلوب علي أمره أمام السلطة الشرعية الممثلة في الملك مسحًا لهذه الوزارة أو تخفيفًا منها علي الأقل . ويبدو أن هدف الانجليز في هذا الصدد قد تحقق إلي حد كبير ، فقد كنت تسمع من الكثيرين في مختلف الأوساط يوم إقالة وزارة الوفد كلامًا فيه معني الشماتة في الانجليز .

والهدف الثالث : أنهم أرادوا أن يهيئوا جوًا يجعل الشعب علي شوق لاستقبال الوزارة القادمة استقبال الأبطال المتقدمين ، الذين جاءوا رغم أنف الانجليز ليمسحوا عار يوم 4 فبراير سنة 1942 وليردوا للشعب كرامته وشخصيته .

وهذا ما تحقق فعلا كذلك ؛ فقد بدأ للناس كأنما استرد الملك كرامة الشعب في شخصه ، كما بدالهم كأنما جاء الملك متحديًا سلطة الانجليز بالرجال الذين هم أعداء الانجليز ، بدليل أن الانجليز يوم 4 فبراير سنة 1942 قرروا إبعادهم عن الحكم ... إذن فمرحبًا بهم رغم أنف الانجليز ... وتظاهر هؤلاء الرجال بأنهم جاءوا إلي الحكم لإنقاذ الحرية رغم أنف الانجليز .


انكشاف المؤامرة بين الانجليز والسعديين :

خدع الشعب تمامًا أمام مكر الانجليز ونفاق السعديين ... والشعب معذور في أن يخدع فقد أحكم الانجليز خططهم ، واستطاع الملك وأنصاره السعديين أن يتقنوا تمثيل الدور الذي رشحهم الانجليز لأدائه ، ولم يكن الشعب يعلم شيئًا عما كان يدور خلف الكواليس قبل أن تفتح أمامه الستارة ليري علي المسرح هؤلاء الرجال وعلي رأسهم الملك وقد ظهروا وبأيديهم سيوف تقطر دمًا مدعين أنه دم الانجليز المعتدين . ولم يفطن الشعب إلي أن ما رآه علي المسرح لم يكن إلا خدعة كما هو ضحيتها ، ولم يبدأ يسترد وعيه شيئًا فشيئًا ، ويفهم ما كان يدور خلف الكواليس إلا بعد أن صدمته فاجعتان .

أولاهما : انتخابات الإسماعيلية وما أثبتته من أن تسلط الانجليز وتبجحهم يوم 4 فبراير سنة 1942 لم يكن أوقح ما عندهم إذ أنهم كانوا في انتخابات الإسماعيلية أكثر تسلطًا وأشد وقاحة وتبجحًا . ففي يوم 4 فبراير سنة 1942 لم يجدوا معاضدة في عدوانهم من السلطة الحكومية ممثلة في بوليسها ورجال إدارتها ، أما في الإسماعيلية فقد وجد العدوان الانجليزي من بوليس الحكومة المصرية ورجال إدارتها ورئيس حكومتها عونًا بل خدمًا يحمون عدوانه ، ويتهافتون علي نيل الخطوة لديه ... في 4 فبراير كان عدوان الحكومة البريطانية موجها إلي الملك وإلي حفنة وراءه من صنائعه البشوات سدته شهواته وخدام نزواته ، ومطلب الانجليز كان استدعاء الحزب الشعبي للحكم أي أنه كان مطلبًا في ظاهره علي الأقل في جانب الشعب ... أما في الإسماعيلية فقد كان عدوان الانجليز مؤيدًا بالملك وصنائعه السعديين ، موجها توجيهًا مباشرًا ضد الشعب نفسه ... مما لم يدع للشعب مندوحة للتعليل أو للتأويل أو لحسن الظن في أن هذه المظاهرة التي قام الملك بتدبيرها مع أذنابه للسعديين لم تكن إلا خدعة للشعب ، واستخفافًا بعقليته ، واستهتارًا بفهمه ووعيه ... ولم يدع عند الشعب أدني شك في أن هذه الوزارة السعدية وعلي رأسها الملك ليست إلا طليعة حقيرة للانجليز .

ومن سوء حظ الانجليز وأذنابهم أنهم ظنوا أن معركة انتخابات الإسماعيلية لن تكون أكثر من معركة في دائرة من ثلاثمائة دائرة أو نحوها لن يشعر بما يدور فيها إلا أهل المنطقة .. ولم يدر بخلدهم أن جميع دوائر القطر ستكون ممثلة يوم الانتخابات في هذه الدائرة ، وأن هؤلاء الممثلين سيرجعون في اليوم التالي إلي بلادهم ويروون لأهل هذه البلاد ما شاهدوه بأعينهم من مآس واعتداء وإجرام . وهكذا استيقظ الشعب المصري في اليوم التالي علي فهم جديد ، ووعي جديد ، ونظرة جديدة إلي الناس وإلي الأمور وإلي الحكومة التي جاءت إلي الحكم باسم حكومة التحرير والإنقاذ ، تحرير الشعب من ديكتاتورية الوفد ، وإنقاذ شرف البلاد وصمة 4 فبراير سنة 1942 .

أما ثانية الفاجعتين التي استيقظ الشعب علي دويها فهي حيرته لم سحب الانجليز تأييدهم لحكومة الوفد التي ضحوا في 4 فبراير سنة 1942 بجانب كبير من سمعتهم في سبيل إسناد الحكم إليها ، ثم نقلوا تأييدهم إلي الجانب الآخر الذي داسوه بأقدامهم في ذلك اليوم ؟ ...

ظلت الحيرة مستبدة بأفكار الشعب ، لا يجدون لها تعليلا ، حتى استقرت الأمور لهذه الحكومة ، وحظيت بمجلس نواب صنعته بيديها بالمواصفات التي حددها الانجليز ، حينئذ انطلقت القنبلة التي أفاق علي دويها الشعب من حيرته ، حيث استبان له ما كان ملتبسًا عليه ، وظهر له ما كان مستورًا عنه وتكشف السر الذي كان في طي الكتمان بين السعديين وبين الانجليز وكان ذلك حين أعلنت الوزارة السعدية برياسة أحمد ماهر الحرب علي المحور (ألمانيا وإيطاليا) . وقد سبقت الإشارة من قبل إلي أن الانجليز منذ أعلنوا الحرب علي ألمانيا سنة 1939 وهم يلحون علي الحكومات المصرية المتعاقبة أن تعلن الحرب علي ألمانيا تنفيذ البنود معاهدة سنة 1936 فقد ألحوا في ذلك علي وزارات علي ماهر وحسن صبري وحسين سري ولكن ما كانت هذه الحكومات تري أن لا مصلحة مطلقا في إعلان الحرب علي دول لم تمسنا بأي نوع من أنواع الاعتداء ، فإنهم جميعًا أصروا علي رفض هذا الطلب حتى صار رفضه سياسة عامة للدولة يقف وراءها الشعب كله بجميع أحزابه وطوائفه .

حتى وزارة الوفد التي جاء بها الانجليز في 4 فبراير سنة 1942 عجز الانجليز عن إخراجها في اتخاذ هذا القرار .. ويبدو أن هذا كان هو السر الحقيقي وراء تخلي الانجليز عن تأييدها آخر الأمر لاسيما بعد أن عقدوا في الخفاء الصفقة مع السعديين . وجاء أحمد ماهر مطمئنًا إلي تأييد الانجليز ، متحديًا إرادة الشعب التي أجمع عليها بكل طوائفه متجاهلا شعوره وعواطفه ، وأعلن الحرب علي المحور ، ظنًا منه أن تأييد الانجليز يحميه من غضب الشعب ، ولكن غضب الشعب كان أقوي مما يظن ؛ إذ قام شاب فدائي من غمار هذا الشعب الغاضب اسمه محمود العيسوي يعمل محاميًا فأفرغ فيه طلقات أردته قتيلاً ، ولما سئل محمود العيسوي في التحقيق عن الدافع الذي دفعه إلي قتل أحمد ماهر قال بصريح العبارة : إعلانه الحرب علي المحور وما قد يجره ذلك علي البلاد من دمار في حرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل .



الثلاثاء، 31 أغسطس 2010

ترشيح المرشد العام لمجلس النواب من كتاب أحداث صنعت التاريخ

ترشيح المرشد العام لمجلس النواب سنة 1942 :

ومن المسلم به أن أية دعوة ذات أهداف نبيلة وبرامج إصلاحية تريد تحقيق هذه الأهداف والبرامج ينبغي أن يكون من وسائلها إلي ذلك العمل علي الوصول بأعضائها إلي مقاعد المجالس التشريعية ، ولا يتأتي ذلك إلا بخوض المعارك الانتخابية ... ومن بدائه الأمور أنه كلما كان عدد النواب لهيئة من الهيئات أكثر كان تحقيق آمالها أيسر ؛ ولكن الإخوان كانوا يعتقدون أن حصولهم علي مقعد واحد في مجلس النواب كفيل بأن يؤثر في هذا المجلس أبلغ التأثير إذا كان صاحب هذا المقعد هو حسن البنا ؛ ذلك أن لديه من قوة الشخصية والقدرة علي الإقناع مع ما يتمتع به من روحانية فياضة وبلاغة آسرة ما يشد إليه الأسماع والعيون والعقول والقلوب ، وما يفعل في السامعين فعل السحر ... وقد استطاع بهذه المواهب النادرة أن يجمع حوله من الأنصار الذين يفتدون دعوته بأموالهم ودمائهم مئات الألوف في أنحاء مصر وغير مصر من الدول العربية والإسلامية .

لهذا اتخذ الإخوان قرارًا بترشيح المرشد العام عن دائرة الإسماعيلية في الانتخابات التي أعلنت حكومة الوفد إجراءها سنة 1942 ... وإذا كان أعظم المرشحين لم يكن لتقدمه للترشيح من صدي إلا في دائرته التي ينتمي إليها ، فإن تقدم حسن البنا للترشيح كان له صدي يتردد في جميع محافظات القطر ومراكزه وحواضره وقراه بل وقد تعدي ذلك الصدى إلي خارج مصر ؛ ذلك أن في كل مكان من هذه الأماكن رجالا ونساء يعقدون الآمال للعريضة علي هذا الترشيح . وينبغي أن يكون مفهومًا أن ترشيح حسن البنا في دائرة الإسماعيلية ليس له إلا معني واحد هو أنه من قبل أن تجري انتخابات قد صار عضوا بمجلس النواب مهما نافسه في الترشيح مائة مرشح منهم رئيس الحكومة نفسها ، ذلك أن أهالي هذه الدائرة وعن بكرة أبيهم رجالا ونساء وأطفالا يعتبرون ترشيح حسن البنا عندهم شرفًا لا يعادله شرف ، وأن انتخابهم إياه فريضة من فرائض الدين وقربة من أعظم القربات إلي الله عز وجل . وهذه الحقيقة التي يعرفها أهل الإسماعيلية ويعرفها الإخوان في كل مكان ؛ ويعرفها الانجليز أيضًا ،وإن كان يجهلها – حتى ذلك الوقت – فئات أخري منهم حكام مصر ورجال الأحزاب المصرية الذين لم يستطيعوا أن يفهموا عن الإخوان المسلمين أكثر من أنهم جماعة تدعو إلي الدين الذي لا يخرج في تصورهم عن كونه طقوسًا وعبادات ومحاربة للمنكرات بالوعظ والإرشاد ... بالرغم مما يبذله الإخوان من جهود لتوضيح فكرتهم عن الإسلام باعتباره دينًا ودولة ، وعقيدة وشريعة ، وبرنامجًا إصلاحيًا شاملا لجميع شئون الحياة .

تقدم الأستاذ المرشد يطلب الترشيح إلي وزارة الداخلية كالمعتاد ... فما الذي حدث ؟... بعد أيام قلائل جاء ه رسول من قبل مصطفي النحاس باشا رئيس الحكومة يدعوه لمقابلته .... وسأنقل هنا نص ما جاء في تقرير الأمن العام عن هذه المقابلة وعن هذا الموضوع عامة وقد نشره في جريدة الأهرام في 14-2-75 الدكتور عبد العظيم رمضان مدرس التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة طنطا ضمن وثائق نشرها ، قال التقرير :

" لم يكد يذاع خبر ترشيح الأستاذ حسن البنا ويدفع التأمين إلا واتصل به حضرة عبد الواحد الوكيل بك صهر حضرة صاحب المقام الرفيع مصطفي النحاس باشا ، وتكلم معه في موقف الإخوان المسلمين ، وطلب منه الرجوع إلي رفعة النحاس باشا ، وتكلم معه في موقف الإخوان المسلمين ، وطلب منه الرجوع إلي رفعة النحاس باشا لكي يكون رفعته علي بينة من أمرهم لأن رفعته لديه فكرة غامضة عنهم . وبعد بضعة أيام تلقي دعوة بمقابلة رفعة النحاس باشا ، وتمت المقابلة بفندق مينا هاوس ، وقد طلب منه رفعة النحاس باشا أن يتناول عن الترشيح . وصارحه رفعته أنه يطلب ذلك إيثارًا للمصلحة العامة ولمصلحته (أي مصلحة الأستاذ البنا) إن كان يريد الإبقاء علي جماعات الإخوان المسلمين في مختلف البلدان ، فرفض ذلك وقال إنه يستعمل حقاً من حقوقه الدستورية ولا يري ما يمنعه من الترشيح ، وإن كان هناك موانع فإنه يطلب بيانها لكي يتبين مبلغها من الصحة ، وفضلا عن ذلك فإن قرار الترشيح صدر من هيئة المكتب العام لجماعة الإخوان ، وأنه شخصيًا لا يملك الرجوع في ذلك .

فرجاه رفعة النحاس باشا أن يعمل علي إقناع الأعضاء بالعدول عن ذلك ، وأن رفعته رأي أن يدعوه لينصح له بالتنازل وإلا اضطر إلي اتخاذ إجراءات أخري يراها رفعته قاسية ، ولا يرتاح إليها ضميره ، ولكنه حرصا منه علي مصلحة البلد مضطر إلي تنفيذها . ولما استوضحه تلك الإجراءات قال رفعته إنها حل جماعات الإخوان المسلمين وتلقي زعمائها خارج القطر ؛ وتلك هي رغبة هؤلاء الناس (يقصد الانجليز) الذين بيدهم الأمر يصرفونه كما يرون ، ونحن مضطرون إلي مجاملتهم خصوصًا في هذه المسائل الفرعية ، وفي هذه الظروف العصيبة ، لأنهم يقدرون علي كل شيء ، وفي استطاعتهم إن شاءوا أن يدمروا البلد في ساعتين .

وقد ترك رفعته فرصة للتفكير في الأمر ، وأن تتم مقابلة أخري في هذا الشأن ، وقد عرض الأمر علي هيئة مكتب الإرشاد فلم توافق الأغلبية علي التنازل ، ولكنه هو شخصيًا وافق عليه لا خوفاً من النفي ولكن حرصًا علي قيام الجماعة واستمرارها في تنفيذ أغراضها . وأخيرًا أستقر الرأي علي التنازل ، وتوجه مرة أخري لمقابلة رفعة الرئيس بوساطة سليم بك زكي الذي بسط لرفعته دعوة الإخوان ومدي انتشارها في المدن والأقاليم ، فانتهز هذه الفرصة وطلب من رفعته ضمانات بقيام الجمعية وفروعها . وعدم الوقوف في سبيلها وعدم مراقبتها والتضييق علي أعضائها للحد من نشاطهم فوعده رفعته بما طلب " .

وقد أوردت ما جاء بتقرير الأمن العام عن هذه المقابلات لأنه هو فعلا نص ما حدثنا به الأستاذ المرشد عقب رجوعه من كل من المقابلتين ، فقد كنا في ذلك الوقت في المركز العام ننتظر رجوعه علي أحر من الجمر لأن موضوع الترشيح كان أمرًا جوهريًا بالنسبة لنا ولجميع الإخوان في أنحاء البلاد ، ولهذا فإنه رأي بعد أن قص علينا ما حدث أن ننتقل إلي الإسكندرية وطنطا وغيرها من العواصم ليقصه عليهم حتى يكون الجميع علي صورة واضحة من الموضوع . وموقف الأستاذ المرشد في هذا الموضوع كان أحد المواقف القليلة التي جاء رأيه النهائي فيها صدمة لمشاعر الإخوان وعواطفهم ، فما من أحد من أنحاء البلاد إلا وشعر بهذه الصدمة التي تمثلت لنا في صورة فرصة أفلتت منا بإرادتنا ولو أننا تمسكنا بها لأفادت الدعوة منها أعظم فائدة . ولم يسلم الإخوان للأستاذ المرشد بما طلبه إليهم ، ولم ينزلوا علي رأيه إلا للثقة التي لا حدود لها فيه ، وللاطمئنان الكامل إلي إخلاصه ومقدرته وبعد نظره وحسن تدبيره للأمور .

وتقريرًا للواقع أقول إن هذا الموقف الذي وقفه الأستاذ في هذا الموضوع – وإن كان قد جرعنا في أوله بعض المرارة – إلا أنه عاد علي الدعوة بما لا حصر له من الفوائد ، وحسب القارئ أن يعلم من قوة الإخوان المسلمين في ظل هذا الموقف وفي خلال أربع سنوات بعده قد تضاعفت أضعافًا كثيرة كما وكيفاً حتى صارت أقوى هيئة شعبية في مصر وفي البلاد العربية علي الإطلاق . ومع أن حزب الوفد الحاكم في ذلك الوقت كان حريصًا علي أن يخرج من تجربته هذه مع الإخوان بكسب معنوي لحسابه ، فإن الإخوان قد خرجوا منها بمكاسب لدعوتهم لا يقاس بأدناها كسب الوفد – إن كان قد كسب شيئًا – فضلا عما أشرنا إليه آنفاً من انفتاح كل الطرق أمام الإخوان لبث دعوتهم في كل مكان دون عوائق ؛ فإن هناك مزايا أخري ما كانت لتنجز وتتخذ سبيلها إلي واقع الحياة في مصر لولا هذين اللقاءين الذين تما بين الأستاذ المرشد والنحاس باشا وعلي رأس هذه المزايا .

1 – إحياء الأعياد الإسلامية لاسيما مولد النبي صلي الله عليه وسلم وجعله عيدًا رسميًا للدولة وقد أصدر رئيس الحكومة حديثًا رسميًا مستفيضًا تحية لهذه الذكري الكريمة .

2 – إلغاء البغاء في أنحاء البلاد وكان وصمة عار في جبينها .

3 – قانون بوجوب استعمال اللغة العربية في تعامل جميع الشركات والمؤسسات ومراسلاتها .

4 – تحريم الخمر – وإن كان التحريم قد اقتصر علي المناسبات الدينية .

5 – بذل جهد مشكور في وضع أساس إنشاء الجامعة العربية .

وقد كان الأستاذ المرشد قد أخبرنا فيما أخبرنا به عما دار بينه وبين النحاس باشا في هذين اللقاءين أنه كان حريصًا أن يلقي في روع النحاس باشا أن أتناوله عن الترشيح لابد أن يقابله ما يسد هذه الفجوة بعمل إسلامي تقوم به الحكومة يثلج صدر الشعب الذي كان يؤمل الكثير من العمل الإسلامي من وراء دخولي مجلس النواب ، وقال له إن العمل الإسلامي الذي تقوم به الحكومة يقربها إلي نفوس الشعب ويرفع اسم زعامة الوفد .. وقد تعهد النحاس باشا بالنهوض بهذه المطالب . وقد وفي الرجل بتعهده ، وقد ألقي عقب هذين اللقاءين حديثاً ضمنه هذه المعاني التي اتفق عليها . وعقب صدور هذا الحديث عن النحاس باشا تقابل عبد الواحد الوكيل باشا مرة أخري مع الأستاذ المرشد واقترح عليه أن يصدر بيانًا يسجل فيه أن التنازل قد تم احترامًا لقرار الوفد بترشيح شخص آخر ويعلن فيه تأييده لسياسة الوفد في التعاون مع بريطانيا لتنفيذ معاهدة التحالف – فرفض الأستاذ المرشد ذلك واكتفي بذكر فقرات في خطاب النحاس باشا معلنًا أن الإخوان عون له في سياسة الإصلاح الديني والاجتماعي .. ونثبت هنا نص الخطاب الذي وجهه الأستاذ المرشد إلي النحاس باشا كما نشر بجريدة المصري يوم 23 مارس سنة 1942 تحت عنوان : الإخوان المسلمون يستجيبون لنداء الزعيم – ويعلنون أنهم عون للحكومة في تحقيق برنامجها الإصلاحي .

كتاب قيم من المرشد العام للرئيس الجليل :

بسم الله الرحمن الرحيم

حضرة صاحب المقام الرفيع مصطفي النحاس باشا رئيس الحكومة المصرية .

أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو ، وأصلي وأسلم علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه وأحييكم فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . وبعد ....

فقد تحدثتم رفعتكم إلي الأمة المصرية حديثاً رائعًا جميلا ، ضمنتموه كثيرًا من المبادئ القويمة والأماني الطيبة التي يسر كل مصري وأن يحققها الله علي أيديكم ... فقد أشدتم بالصراحة والتعاون والإخلاص ، ودعوتم الأمة إلي مصارحتكم والتقدم إليكم بالنصح ووددتم أن تمتلئ صدورنا جميعًا بهذه المعاني السامية (فنحن أبناء أسرة واحدة وهي الأسرة المصرية الكريمة) .

وقررتم رفعتكم أنه من دواعي سروركم أن تتعاون الأمة والحكومة في هذه الظروف الدقيقة في تنفيذ سياسة خارجية حكيمة ،وتصميم سياسة داخلية بصيرة ... فالواجب يقتضينا والمصلحة تدعونا إلي أن ننفذ بإخلاص وحسن نية أحكام المعاهدة التي وقعناها بمحض اختيارنا وملء حريتنا وقصدنا من ورائها سلامة استقلالنا القومي والاحتياط لمثل هذه الظروف العصيبة .. كما أن الحكومة ساهرة علي أتباع سياسة عمرانية عاجلة لخير الطبقات الفقيرة قبل غيرها .. ومن واجب الحكومة والبرلمان أن يضعا في رأس برنامجهما درس المسائل الاجتماعية والسعي إلي حلها حلا سريعا حاسمًا . وقد أشرتم إلي التطور الجديد في حياة العالم كله تطورًا " هو مقدمة لتطور أعمق غورًَا وأبعد أثرًا يجعل مظهر العالم في غير مظهرة اليوم ؛ " .

ثم ختم هذا الحديث " بأن علينا أن نعبر الطريق المحفوف بالمخاطر ، المحوط بالمكاره ، متعاونين متحدين مع الشعوب الشرقية وإخواننا أبناء العروبة الكريمة كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا ، مترقبين بزوغ فجر الحرية والإخاء بين الشعوب ؛ فيقوم عدل الحكام علي أنقاض الظلم والاستبداد ، وتتفيأ أمم ظلال الطمأنينة والسكينة والسلام "

أصغينا إلي هذا الحديث القيم ثم طالعتنا الصحف بنصائحكم الجليلة إلي حضرات المديرين والمحافظين ، ودعوتكم إياهم إلي " أن يكونوا نواة سلام ودعاة صلح وتفاهم بين العائلات ، وأن يديموا التجوال في البلاد ليتبينوا مطالب الأهلين ، وينظروا فيها بالغين المجردة عن كل ميل وهوي ،وأن يستمعوا إلي شكاوى المظلومين ويعملوا علي رفع المظالم عنهم " . وقرأنا في الصحف أن معالي وزير الصحة أخذ يدرس باهتمام مشكلة البغاء تمهيدًا لتخليص مصر من وصمته الشائنة ،وأنه قرر فعلا البدء بإلغاء دور البغاء في القرى والبنادر من أول مايو المقبل . والإخوان المسلمون أمام هذه الآمال الصالحة ، والأعمال الطيبة النافعة ، يرون من واجبهم أن يستجيبوا لندائكم وأن يعلنوا أنهم حريصون كل الحرص علي أن يكونوا عونًا لكم وللحكومة المصرية في تحقيق برنامجكم الإصلاحي الذي أعلنتموه ، مستمسكين دائمًا بآداب الإسلام العالية وتعاليمه القويمة وأخلاقه الفاضلة .

والله نسأل أن يهيئنا جميعًا لخير هذا الوطن العزيز والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

وبعد عام من هذا التاريخ ، ومع التكوين الجديد للوزارة بعد خروج مكرم عبيد باشا منها لخلافة النحاس باشا رغب أعضاء الوزارة في زيارة المركز العام للإخوان ، فوجه الإخوان إليهم الدعوة ، وننقل وصف هذه الزيارة وما تم فيها كما نشرته جريدة المصري يوم 17 مايو سنة 1943 بعنوان ... الإخوان يضيفون وزراء الشعب .

" أقام المركز العام لجماعة الإخوان المسلمين حفلة كبرى بداره بالحلمية الجديدة في الساعة السابعة من مساء أمس دعا إليها أصحاب المعالي الوزراء فلبي الدعوة فؤاد سراج الدين وزير الزراعة . و . . . . و . . . . و . . . . . . وكان في استقبالهم فضيلة المرشد العام الأستاذ حسن البنا والأستاذ أحمد السكري وكيل الجماعة وبقية الإخوان وفرقة الجوالة الخاصة بهم ، وكان الإخوان يستقبلون كل وزير عند حضوره بالهتاف والتكبير " الله أكبر ولله الحمد " .

وعلي آثر وصول الوزراء حان وقت صلاة المغرب فأذن المؤذن وأم المصلين فضيلة المرشد العام ولما كانت المصلي لا تتسع لجميع الذين حضروا فقد أدي العديدون الصلاة في الحجرات وفي حديقة الدار وخارجها وقد فرشت بالبسط والحصير – وتصادف أن حضر في هذه الأثناء وزير التموين الأستاذ أحمد حمزة فأدي الصلاة مع المصلين خارج الدار ، فكان منظرًا إسلاميًا ديمقراطيًا رائعًا رؤية أصحاب المعالي الوزراء وهم بين الإخوان يؤدون صلاة المغرب في خشوع المؤمنين الصالحين ...

وبعد الصلاة جلس أصحاب المعالي الوزراء مع الإخوان فوق سطح الدار حول موائد الشاي والحلوى والمرطبات .. وافتتحت الحفلة بتلاوة آي الذكر الحكيم ثم ألقي الأستاذ أحمد السكري كلمة ترحيب وتلاه الأستاذ حسن البنا بكلمة أوضح فيها فكر دعوتهم وأهدافهم . وألقي بعد ذلك كل من أصحاب المعالي الوزراء الزراعة والتموين والشئون والتجارة كلمات مناسبة أشاروا فيها إلي مشروعات حكومة الوفد وعلي رأسها النحاس باشا وهي المشروعات التي تحقق الأغراض الإسلامية مثل إلغاء البغاء . وإحياء الأعياد الإسلامية وتحريم الخمر والموبقات وقانون استعمال اللغة العربية وغير ذلك من مفاخر حكومة الوفد . ثم وقف الأستاذ أحمد السكري فشكر الوزراء علي ما أبدوه في كلماتهم من استعداد طيب نحو تشجيع جماعة الإخوان المسلمين ورجالهم أن يبلغوا رفعة الرئيس تحيات الإخوان وأطيب تمنياتهم وأن يقدموا له باقة من كتاب الله وهي الآية الكريمة " ولينصرن الله من ينصره إن اله لقوي عزيز . الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر . ولله عاقبة الأمور .

وانتهي الاحتفال في الساعة العاشرة مساء " .

وقبل أن نصل في معالجة هذا الموضوع إلي نهايته ، لا يفوتنا أن نومئ إلي غمزات وردت في تعليق الكاتب الذي أشرنا إليه آنفًا فيما نشره بجريدة الأهرام في 14-2-1975 حيث شكك سيادته في صدور العبارات التي وضعنا تحتها خطوطًا مما نقلناه من تقرير الأمن العام عن النحاس باشا ، وملخصها أن الانجليز هم الذين طلبوا من النحاس باشا إرغام حسن البنا علي التنازل . وحسبنا في الرد علي هذا المؤرخ الذي يستقي معلوماته من وثائق إدارة الأمن العام ، أن يطلب من هذه الإدارة وثيقة عما تم في ترشيح الأستاذ حسن البنا نفسه في نفس الدائرة في سنة 1944 في أيام وزارة أحمد ماهر ، فإذا لم يعثروا علي هذه الوثيقة ، فليذهب إلي الإسماعيلية ويسأل عشرات الآلاف من أهلها الذين حضروا هذه الانتخابات ولا يزالون علي قيد الحياة ليسمع منهم كيف تدخل الانجليز بأنفسهم وبجيش احتلالهم المرابط في الإسماعيلية لإسقاط حسن البنا مما سنفصله في الصفحات القادمة إن شاء الله .

وسيادة المؤرخ كان مدرسًا بجامعة طنطا حين أرخ لهذا الموضوع سنة 1975 ، وهذا المنصب يكون صاحبه عادة في سن تناهز الأربعين ، ومعني ذلك أنه في أثناء هذه الفترة التي يؤرخ لها كان في مهد الطفولة . ولكنه حين يؤرخ لهذه الفترة يؤرخ لفترة شهدها جيل لازال يعيش معه فكان عليه وهو مدرس للتاريخ المعاصر ويؤرخ لتاريخ معاصر أن يرجع إلي من عاصروا هذه الأحداث في مواقعها ، وهم لا يزالون علي قيد الحياة بدلا من أن يقتصر في تاريخه علي الوثائق التي لا يكتفي بها عادة إلا في تاريخ لأحداث طال عليها الأمد ولم يعد علي قيد الحياة من يرجع إليه فيها . علي أننا سوف نتناول تعليق هذا المؤرخ بمناقشة موضوعية في الفصل القادم إن شاء الله .

الإمام البنا يكتب للفلسطينيين عن صناعة الموت

الإمام البنا يكتب للفلسطينيين عن صناعة الموت


مجلة النذير، العدد (18)، السنة الأولى، 2 شعبان 1357ﻫ= 26 سبتمبر 1938م، ص(3- 5).

أجل.. صناعة الموت؛ فالموت صناعةٌ من الصناعات؛ من الناس من يحسنها فيعرف كيف يموت الموتة الكريمة، وكيف يختار لموتته الميدان الشريف والوقت المناسب، فيبيع القطرة من دمه بأغلى أثمانها، ويربح بها ربحًا أعظم من كل ما يتصوَّر الناس، فيربح سعادة الحياة وثواب الآخرة، ولم تنتقص عن عمره ذرة، ولم يفقد من حياته يومًا واحدًا، ولم يستعجل بذلك أجلاً قد حدَّده الله.

ومن الناس جبناء أذلة؛ جهلوا سرَّ هذه الصناعة، وغفلوا عن مزاياها وفضائلها، فمات كل واحد منهم في اليوم ألف موتة ذليلة، وبقي وموتاته هذه حتى وافته الموتة الكبرى ذليلةً كذلك، لا كرمَ معها ولا نبلَ فيها، في ميدان خامل خسيس ضارع، وقضى ولا ثمن له، وأهدر دمه ولا كرامة.

إن القرآن الكريم علَّم المسلمين سرَّ هذه الصناعة، وأرشدهم إلى فضائلها وأرباحها ومزاياها، وندبهم إليها في سور كثيرة، مثل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ (13)﴾ (الصف)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ (التوبة: من الآية 111).. إلى آيات كثيرة لا يحصيها عدٌّ ولا يتناولها حصر.


وقد عرف هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وسلف هذه الأمة، وعرفوا أنهم لن يتجاوزوا قدرًا قد أمضى وسلف، ولن يُحرموا أجرًا قد عظم وكُتب، ولن يستبقوا أجلاً قد قُدِّر وحُدِّد، فأحسنوا هذه الصناعة أيَّما إحسان، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لولا أن أشقَّ على أمتي ما قعدت خلف سرية، ولوددت أن أقتل في سبيل الله، ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا، ثم أقتل" ، وهذا صحابي جليل يُستشهد فيسأله الله عما يتمنَّاه، فيتمنَّى أن يعود إلى الدنيا ليُقتل مرةً ثانيةً في سبيل الله ، وهذا أبو بكر يقول لخالد في وصيته العظيمة: "يا خالد.. احرص على الموت توهب لك الحياة" .

ثم جاءت من بعد ذلك خلوف من المسلمين ركنوا إلى الدنيا في العبث واللهو، وأهملوا مواد القوة، وجهلوا صناعة الموت، وأحبوا الحياة، وتنافسوا على لقبٍ كاذبٍ، وجاهٍ زائلٍ، ومالٍ ضائعٍ، ومظهرٍ زائفٍ، وتعس عبد الدينار؛ عبد الدرهم؛ عبد القطيفة، فوقعوا في الذلة، واستمكن منهم العدو، وخسروا سيادة الدنيا، وما أعظم تبعتهم في الآخرة!، وحق عليهم قول الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فقد تداعت على المسلمين الأمم، ونزع الله من قلوب أعدائهم المهابة منهم، وقذف في قلوبهم الوهن، وإنما الوهن حب الدنيا وكراهة الموت .

وكاد هذا الخلق الذليل يستبد بمشاعر المسلمين وعواطفهم، ويرين على قلوبهم وأرواحهم، ولكن رحمة الله التي يتدارك بها أهل هذا القرآن دائمًا لم تدعهم هكذا، فكانت "قضية فلسطين".

انجلى الصدأ عن المعدن النفيس، وبرزت النفس في ثوبها الحقيقي اللامع المجاهد، وتكشف الصدف عن لؤلؤه، وتمحَّص الذهب الخالص تحت نار الضغط الأثيم، وذهب فريق من أبطال المسلمين وجِدَّةٌ السلف يحسنون من جديد صناعة الموت، ويطلبون عن طريقها حقهم في الحياة، وسرى هذا التيار من نفس الفئة المجاهدة القليلة في جوار الحرم المقدس إلى كثيرٍ من شباب الإسلام والعرب، فخفقت قلوبهم، واهتزت أريحيتهم، واضطرمت بهذا الشعور القرى والشوارع والميادين والبيوت والمدارس والمساجد في عاصمة العباسيين بغداد، وعاصمة الأمويين دمشق، وفي القاهرة عاصمة مصر ومعقل صلاح الدين، والتي أذاقت الصليبية أمرَّ الهوان في حطين، وقذفت بهم بعد ذلك إلى البحر، وردَّتهم عن البيت المقدس خائبين مدحورين، ولئن شاءت السياسة الموضعية أن تكبت هذا الشعور في بعض المواطن، وأن تُضعف من مظاهره العملية، فهي بذلك إنما تزيده قوةً، وتزيد النفوس به تأثرًا وانصهارًا، حتى إذا انفجر فلن ينفع في كبته بعد ذلك جهد الجاهدين ولا حذر المُتخوِّفين.

أيها الفلسطينيون البواسل من شباب محمد وحماة بيت المقدس.. صبر جميل، ولقد ربحتم كثيرًا، ولو لم يكن من نتائج ثورتكم المباركة الحقة إلا أن كشفتم غشاوات الذلة وحجب الاستسلام عن النفوس الإسلامية، وأرشدتم شعوب الإسلام إلى ما في صناعة الموت من لذة وجمال وروعة ورِبْح لكنتم الفائزين، ولكن أبشروا؛ فليس ذلك ربحكم فقط، ولكنكم ربحتم معه إعجاب العالم وثواب الله، وستربحون النصر المؤزر في القريب إن شاء الله، ﴿وَاللهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ (محمد: من الآية 35).

وأنتم أيها المسلمون في أقطار الأرض.. اذكروا هذا الدرس جيدًا، واعلموا أنه جاءكم في أمسِّ أوقاتكم حاجةً إليه، وتلقيتموه والعالم على فوهة بركان، فإياكم أن ترجعوا بعد اليوم "غنمًا" يصرفها الذئب أنَّى شاء لتكون له في الحرب فداءً وفي السلم غذاءً، ولكن تجهَّزوا لتحرروا ولتدفعوا عن أنفسكم كل كافر خوان لا عهد له ولا ذمة ولا موثق له ولا أمان.

أيها المسلمون في أقطار الأرض..

إن فلسطين هي خط الدفاع الأول، والضربة الأولى نصف المعركة؛ فالمجاهدون فيها إنما يدافعون عن مستقبل بلادكم وأنفسكم وذراريكم كما يدفعون عن أنفسهم وبلادهم وذراريهم، وليس قضية فلسطين قضية قُطْر شرقي ولا قضية الأمة العربية وحدها، ولكن قضية الإسلام وأهل الإسلام جميعًا، ولا محلَّ للتدليل على حقوق العرب فيها، ولا محلَّ لإيضاح هذه الحقوق وبيانها، ولا محلَّ للأقوال والخطب والمقالات، ولكن الساعة ساعة العمل.. احتجوا بكل مناسبة وبكل طريق.. قاطعوا خصوم القضية الإسلامية مهما كانت جنسياتهم أو نِحَلهم.

تبرَّعوا بالأموال للأسر الفقيرة والبيوت المنكوبة والمجاهدين البواسل.. تطوعوا إن استطعتم- لا عذر لمعتذر- فليس هناك ما يمنع من العمل إلا ضعف الإيمان.

ولا يهلك على الله إلا هالك.

﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: 40).

الاثنين، 30 أغسطس 2010

منتهى الدناءة والإنحطاط - حسبنا الله ونعم الوكيل

من الممكن أن نصف هذه الحلقة التاسعة عشرة بأنها جمعت كل أساليب التشويه التى يستخدمها السيناريست منذ بدء الحلقات..
مقال استعدوا يا جنود للشيخ أحمد البنا (ذكر نصف الحقيقة على طريقة لا تقربوا الصلاة والإيحاء بما لا تتحمله الكلمات)
كلام منسوب لحسن البنا: القوة زي الدواء المر لازم الكل يشرب منه لكي يرتدع ودي نظرية السيف فى الإسلام، السيف فى يد المسلم زي المشرط فى يد الجراح يستأصل به المرض (الكذب واختلاق المواقف والحوارات التى لم تحدث)
فى موقف قيام شباب مصر الفتاه بتحطيم الخمارات (الكذب واستخدام الإيحاءات والغمز واللمز حتى يظهر حسن البنا الانتهازى المنافق الذي يقف ضد الشريعة!!)
وطبعا موقف تحضير حسن البنا لمقابلة الملك فاروق الذي يظهر حسن البنا المنافق الوصولى الانتهازي ثم عندما لم يقابله الملك (فى الحلقة العشرون) يثور حسن البنا ثورة عارمة!! والموقف موجود فى العديد من الكتب وذكرته من قبل فى تدوينة سابقة وسأعيد ذكره فى هذه التدوينة حتى يعرف الجميع حجم الجريمة التى يقوم بها هذا الأفاق.
بالإضافة إلى الحشر المستمر الفج لكل الشبهات التى أثيرت حول الجماعة والتى ثبت أن معظمها إفتراءات لا تمت للحقيقة بصلة
أستميحكم عذرا سأتوقف عن متابعة هذا الهراء بعد أن أصبحت الصورة شديدة الوضوح وانكشفت كل أساليب الكذب والبهتان التى يستخدمها هذا السيناريست (والتى سأحاول أن أجمعها فى تدوينة أخيرة قادمة بمشيئة الله) وأنقل لكم فيما يلي حادثتي تحطيم الخمارات وحقيقة ما حدث فيها ومقابلة الملك فاروق لحسن البنا.


تحطيم الخمارات :من كتاب أحداث صنعت التاريخ على لسان الأستاذ محمود عبد الحليم

فى صباح يوم من الأيام قرأنا فى الصحف أن جماعات من مصر الفتاة هاجمت عددا من الحانات فى القاهرة وحطمت واجهاتها وبعض محتوياتها ، وقد تم القبض على عدد من الجناة ويجرى التحقيق معهم .

وفهمت فى الحال أننا المقصودون بهذا العمل ، وأيد ذلك حين انتظمنا فى الدراسة فى ذلك اليوم أن انطلق طلبة مصر الفتاة يفخرون بهذا العمل الإيجابي ، ويتيهون به على الجميع ويتوجهون بهذا التيه إلى الإخوان ، بل ويفصحون عن ذلك صراحة فى حديثهم مع الطلبة الآخرين ...

ولما كان هذا الإجراء وهذا التحدي موجها إلى الإخوان بعامة وإلى إخوان كلية الزراعة بخاصة ، فقد رأيت فى موقف يقتضيني أن لا أقف مكتوف اليدين أمام التحدي لاسيما أن طلبة الكلية أحسوا بهذا التحدي وأخذوا ينتظرون منا ردا عليه ، ورأيت أن الرد الشفوي فى هذا الصدد لا يجدي لسببين : أحدهما : أن من غير المستطاع جمع الطلبة جميعا فى مكان واحد ليستمعوا ، والآخر : لأن الرد الشفوي تصاحبه عادة حالات انفعالية تجعل من العسير على التكلم جمع أطراف الموضوع والإحاطة به من جميع نواحيه ... وكانت مجلة النذير فى هذه الأيام قد انتشرت وذاع صيتها فى أوساط طلبة الكلية فرأيت أن يكون ردى مقالا على صفحات النذير ليكون إقناعا لإخواننا وزملائنا بالكلية ولجميع الكليات ومختلف الطوائف فى القاهرة وفى أنحاء البلاد .

وكان المقال على ما أذكر بعنوان (( تحطيم الخمارات )) وملخص ما جاء بالمقال هو أن الدعوة الإسلامية باعتبارها دعوة الخلود فإنها لا تعتمد فى خطواتها على الارتجال أو الفطرة ، وإنما تعتمد على أساليب رصينة تتمشى مع العقل وتخضع للنواميس الكونية ... فرسول الله صلى الله عليه وسلم دعا أول ما دعا إلى الوحدانية ونهى عن عبادة الأصنام ، ومع ذلك ظل فى مكة ثلاثة عشر عاما يصلى وهو ومن معه من المسلمين فى الكعبة والأصنام منصوبة فوقها يعبدها المشركون ، لم يفكر هو ومن معه من المسلمين فى تحطيم واحد منها ، ثم هاجر إلى المدينة مكرها ، وظل بها عددا من السنين يدعوا الناس إلى الإسلام حتى التف حوله الناس ، واشتد أزره ، وقوى ساعده ، ورأى فى نفسه وفى أتباعه الكفاءة لملاقاة المشركين بمكة ، فاتجه إليها فاتحا بعد ثماني سنوات من الهجرة ، وانتصر واستسلمت مكة بمن فيها دون قتال ، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحرم وأمر بتحطيم الأصنام فأنزلت من فوق الكعبة وحطمت واحدا وهو يقول (( جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا )) تحت سمع حماتها وبصرهم دون أن يحركوا ساكنا أو يرفعوا بذلك رأسا ،ودخل الجميع الإسلام دون حرب ولا دماء ... ولم تعد الأصنام إلى الأبد .

لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كبر عليه أن تعبد الأصنام وهو يصلى فى الكعبة وحاول تحطيمها فى أول دعوته ، ماذا عسى أن يكون قد حدث له ولدعوته ؟ ... إنه كان سيقتل هو ومن معه وتقتل معه دعوته وهى فى مهدها ، ولما كان هناك فى التاريخ دعوة للإسلام ...

ثم أشرت إلى أن هذا الإجراء من تحطيم للحانات وما أشبهه ليس مما يعجز الإخوان ، فإن عددا قليلا من قطاع الطرق يستطيعون أن يقوموا به ... ثم ما النتيجة من هذا العمل ؟ هل حرمت الخمر فى مصر ؟ هل أغلقت الحانات ؟ ... كل ما كان من نتائج هي أن الخمر استمرت كما هي مباحة ، ولم تغلق الحانات ، أما الحانات التي حطمت فقد عوضتها الحكومة من جيوبنا نحن المصريين بأضعاف قيمة ما تحطم من واجهاتها ومحتوياتها فجددت تجديدا زاد من عدد روادها ... ثم ألقى عدد من الشباب الطاهر البرئ الذي لم يحسن توجيهه فى السجون .. هذا عمل كالطبل الأجوف صوت ضخم يلفت الأنظار ثم تلتفت فلا ترى وراءه شيئا .

ووزعت (( النذير )) فى هذا الأسبوع توزيعا واسعا فالكل متلهف على معرفة موقفنا من التحدي فبقدر ما روجت مصر الفتاة لعملها هذا ووسعت من دائرة الفخر به انتشرت (( النذير )) .. كان لهذا المقال أثر كبير فى أوساط الشباب ، وكان صدمة لمصر الفتاة ، ألجم دعاتها ، وأفحم المتفاخرين من رجالها بل جعلهم يتوارون خجلا ... وبدأ الإخوان فى الكليات يرفعون رءوسهم ويتبوءون مكانهم ، ويواصلون مكاسبهم من المنتسبين لمصر الفتاة وغيرها .

وكان الذي فاجأ الناس أن قرءوا خطابا موجها من المرشد العام إلى وزير العدل يطالبه فيه بالإفراج عن المقبوض عليهم فى هذا الحدث لنيل مقصدهم ، ويحثه فيه على إصدار القوانين التي تطهر البلاد من المنكرات التي تثير النفوس المؤمنة وتحرج الصدور .


لقاء المرشد العام بالملك فاروق :

كان الملك فاروق في ذلك الوقت في مستهل أيامه فقد تولي العرش في عام 1938 ، وكان الناس يتوسمون الخير في الملك الشاب ... وكان الأستاذ المرشد يري أن أقصر طريق لتحقيق أهداف الدعوة ، والأخذ بالأسلوب الإسلامي في إصلاح البلاد إنما يكون بالاتصال بهذا الملك الشاب وإقناعه بالدعوة ... ومعني هذا الإقناع أن يوقن بأن انتهاءه لهذه الدعوة سيصلح البلاد ويحفظ له عرشه .

وفي سبيل إبراز هذه الفكرة إلي حيز الواقع اتصل المرشد برجل محايد كان يأنس في رجاحة عقله وفي صدق وطنيته ونزاهته ، وكان في نفس الوقت من أقرب الشخصيات إلي الملك حيث كان أستاذه من قبل ؛ فذلك هو " علي ماهر " ... وكان علي ماهر من القلائل الذين يتفهمون فكرة الإخوان ويقدرونها كما يقدرون الأستاذ المرشد كل التقدير ، وكان يعرف غير قليل عن قوة الصف الإخواني وتماسكه وكان يري ما كان يراه الأستاذ المرشد من أن أقرب الطرق وأسلمها لإصلاح هذا البلد هو في إقناع الملك بدعوة الإخوان وانتمائه لفكرتهم واستناده إلي صفهم . وكان الإخوان قد أقاموا في صيف ذلك العام معسكراً ضخمًا في "الدخيلة" بجاني الإسكندرية وكان الإخوان من مختلف البلاد يفدون إلي هذا المعسكر ليقيموا فيه أيامًا يرجعون إلي بلادهم ليفد غيرهم ... وكان الأستاذ المرشد شبه مقيم بهذا المعسكر الذي كان مقررًا أن يستمر شهرًا ...

ولقد زرت المعسكر في أواخر الشهر الذي كان محددًا له ضمن مجموعة من إخوان رشيد ، وكنت عازمًا علي قضاء سحابة النهار ثم مغادرته مساء لكن الأستاذ أصر علي بقائنا ثلاثة أيام فنزلنا علي أمره ، ولم أكن أعرف سبب إصراره ولكن تبين لي بعد ذلك أنه كان لأمر هام . كنت أعرف رأي الأستاذ المرشد فيما يتصل بالملك ، ولكني لم أكن أعرف أن استبقاءنا كان ذا علاقة بهذا الشأن حتى جاء اليوم الثالث من فترة بقائنا – وكان يوم جمعة – فإذا بالأستاذ يطلب منا جميعًا أن نرتدي زى الجوالة . ورأيناه قد ارتدي الزى قبلنا ، ثم أخبرنا أن الملك سيؤدي اليوم صلاة الجمعة في مسجد سيدي جابر وبأننا سنكون في استقباله أمام المسجد وبأننا ستصل الجمعة معه ؛ وفهمت بعد ذلك أن هذا الأمر قد اتفق عليه من قبل ، ورتبت خطواته بين علي ماهر والأستاذ المرشد . وقد وضح هذا وضوحًا تامًا ، حين ذهبنا إلي المسجد واصطففنا أمامه وكنا أكثر من مائة جوال يتقدمنا المرشد بملابس الجوالة ، وحضر الركب الملكي يتقدمه الملك بجانبه علي ماهر – وكان في ذلك الوقت رئيسًا للديوان الملكي فيما أذكر – فحييناه هاتفين له وللإسلام ؛ فأخذ علي ماهر بيد الأستاذ المرشد وقدمه للملك فسلم عليه الأستاذ مصافحًا باحترام دون تقبيل يده كما كان العرف في ذلك الوقت – ودون انحناء .

رجعنا بعد صلاة الجمعة إلي معسكرنا ، وكان الأستاذ يشعر بالرضا النفسي لأنه أحس أنه خطا الخطوة الأولي التي كان علي الداعية المصلح أن يبدأ بها ، ثم لا عليه بعد ذلك إن هي لقيت استجابة أم لقيت إعراضًا .. المهم أنه أعذر إلي الله وإلي الناس وإلي التاريخ ... حتى لا يأتي في يوم من الأيام من يقول : لو أن هذا الداعية عرض دعوته علي ولي الأمر قبل أن يسلك بها هذه المسالك . وكنا نعتقد في ذلك الوقت بسذاجتنا وحسن ظننا أن الله تعالي قد اختصر لنا الطريق ، واختار لنا غير ذات الشوكة ، وأن هذا الشاب الذي يبدو وادعًا في مظهره ، وبجانبه الرجل العاقل علي ماهر لابد أنه سيتجه اتجاهًا إسلاميًا فيسعد ويسعد الناس ... ولم نكن نعلم ما خبأه القدر لنا كدعوة ولهذا الشاب كملك طائش مغامر ... وكأنه قد غاب عنا أن حاشية هذا الشاب . وإن كان فيها علي ماهر فإن فيها ألف شيطان .



الأحد، 29 أغسطس 2010

د. محمد حبيب يكتب: مسلسل «الجماعة».. وعبقرية الإمام

د. محمد حبيب يكتب: مسلسل «الجماعة».. وعبقرية الإمام

٢٣/ ٨/ ٢٠١٠ المصري اليوم

كنت قد قررت بينى وبين نفسى أن أبتعد عن أى تعليق على مسلسل «الجماعة» للأستاذ وحيد حامد، الذى يعرض فى هذه الأيام فى عدة قنوات تليفزيونية، ومازلت ملتزما بهذا القرار.. صحيح نحن نتعرض لإلحاح شديد من قبل بعض المراسلين والصحفيين كى ندلى بدلونا حول المسلسل، لكن ما تم بثه حتى الآن لا يفى بتقويم موضوعى ومنصف، بغض النظر عما أثير.. كنت حريصا على متابعة الحلقات، لكنى شُغلت عنها ببعض الأعمال، ولم أر للأسف سوى خمس حلقات.. غير أن هناك بعض النقاط المهمة التى يمكن أن نلفت الانتباه إليها لعلها تفيد القارئ الكريم إن كان من مشاهدى المسلسل، أو حتى من قارئى التعليقات عليه.

أولا: لم يكن الإمام البنا تصادميا فى أى مرحلة من مراحل حياته، بل كان أهم ما يميزه سلاسته وسهولته ولينه ورقته وإنسانيته الرفيعة.. كان محاورا من طراز فريد، محاورا لبقا عميقا مرنا، قوى الحجة، حاضر البديهة واسع الأفق، عالما فقيها، بصيرا بمداخل النفس البشرية ونوازعها.. كان ذا أريحية عالية وأدب جم وخلق قويم وذوق رفيع.

ثانيا: كان الأستاذ الإمام زاهدا، متواضعا، ورعا، تقيا، نقيا، منيبا، عابدا، متبتلا، صواما، قواما، موصولا بالله، مرتبطا بالآخرة..أسره القرآن واستولى على قلبه وجنانه، فكان ينساب على لسانه كما ينساب الماء رقراقا فى الجداول، وكانت له فيه نظرات وتأملات كأنها الفتوحات.

ثالثا: أُشرب الإمام حب أهله ومجتمعه ووطنه وأمته.. شغلته وأهمته قضية الاستقلال، وأقلقته وأرّقته مشكلة النهوض الحضارى للأمة، وأوجعت قلبه وأسالت مدامعه معاناة التعساء والبسطاء من بنى وطنه.

رابعا: آمن الإمام البنا بأن الإسلام هو رسالة الله إلى الناس كافة، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وأنه نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعا، السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة، وكما أنه دين فهو حضارة ينعم فى ظلها الجميع، مسلمين وغير مسلمين، بالعدل والحرية والمساواة والأمن والطمأنينة والسلام، وأن نهضة شعوبنا ورقيها وتقدمها لن تتحقق إلا من خلال الإسلام.

خامسا: لم يكن الإمام البنا مهتما بتأليف الكتب أو التصانيف، أو عمل الدراسات والبحوث، وهى مهمة وضرورية لاشك، وكان رحمه الله قادرا على أن يبرز فيها، لكن اهتمامه الأول كان منصبا على إيقاظ الشعب وإحياء الأمة من خلال تربية رجال يحملون الأمانة ويقومون بالتبعة عبر فكرة سليمة ومنهج واضح وهدف محدد، ومن هنا كانت عبقرية التأصيل الفكرى والحركة المنهجية والتنظيم الدقيق والتكوين المحكم والبناء الشامخ.. من هنا كانت عبقرية التنظيم الهرمى الذى سبق به العالم المتقدم آنذاك، على الأقل بخمس عشرة سنة.

سادسا: كان الأستاذ الإمام ذا نظرة متوازنة، معتدلة، شاملة، كاملة، لديه فقه رصين بالواقع الذى تحياه الأمة، وما يتطلبه ذلك من تحديد واضح لفقه التوازنات والأولويات والمآلات، واهتمام بالأصول لا الفروع، والكليات لا الجزئيات، وهكذا.. كان يفقه تلك المقولة الخالدة للصدّيق رضى الله عنه: «واعلموا أنه لا تقبل لكم نافلة حتى تؤدوا الفريضة».

سابعا: كان الإمام منفتحا على الجميع، يجمع ولا يفرق، يوحد ولا يشتت، يبشر ولا ينفر، ييسر ولا يعسر، يؤمن بأن الإصلاح يأتى من داخل الأنظمة، وليس من خارجها، وذلك عن طريق خطوات ومراحل متدرجة تبدأ بالفرد، فالأسرة، فالمجتمع الذى يفرز الحكومة المعبرة بحق وصدق عن إرادته الحرة.

ثامنا: لقد وضع الإمام البنا القواعد والأصول، من خلال فهمه العميق والدقيق للكتاب والسنة، وسيرة السلف الصالح، والسنن الإلهية، مستفيدا ومستوعبا تجارب الأقدمين والمحدثين، وكان له اجتهاده وفق متطلبات العصر، وفى ظل سياق ومناخ عام معين، محلى وإقليمى ودولى، فى السياسة والاقتصاد والاجتماع.. ومع المتغيرات التى طرأت والمستجدات التى ظهرت، لا بأس أن يكون لنا اجتهادنا فى الفروع، مادام يتم عبر المؤسسات الشورية المعتمدة بشكل صحيح وسليم، ودون إخلال بالقواعد والأصول.

تاسعا: هناك فارق كبير بين أن تتكون صورة ذهنية معينة عن شخص أو مجموعة أشخاص من خلال كلمة مكتوبة، وبين أن تتكون هذه الصورة عبر معايشة، فى الحالة الثانية تكون الصورة أقرب إلى الحقيقة والواقع.. ثمة أمر آخر على قدر كبير من الأهمية، هو أن هناك أشياء لم تكتب ولم تدون بعد، وقد سمعنا من حواريى وتلامذة الأستاذ الإمام حكايات وروايات مذهلة جسدت صورة ما كان لها أن تتكون فى الذهن من خلال القراءة فقط.. لذا كنت أتمنى من الأستاذ وحيد حامد أن لو أعطى لنفسه فرصة الاستماع لكل الأطراف.. نعم كان ذلك يتطلب وقتا وجهدا، لكن الفائدة من ورائه ستكون عظيمة، وسيكون المستفيد الأكبر هو المشاهد، هو الرأى العام.

عاشرا: أرجو من الإخوان ألا ينزعجوا أو تضيق صدورهم بما شاهدوا أو سوف يشاهدون، وأن يتريثوا حتى نهاية المسلسل حتى يكون التقويم شاملا، ومن الجوانب كافة، وأن يضعوا فى اعتبارهم ما يلى:

١- أن رصيد هذه الدعوة فى قلب وذاكرة ووعى الأمة هو رصيد عظيم، تماما كالجبل الراسخ، لا يمكن أن ينال منه معول أيا كان حجمه ووزنه وأيا كانت شراسته وضراوته.. صحيح هناك قطاع من الناس سوف يتأثر، لكن الغالبية من الناس لديها حس سياسى وذكاء اجتماعى يستطيع أن يميز بين ما هو صالح وطالح.. وفى تصورى أن هذا المسلسل سوف يضيف إلى رصيد الجماعة ولا يخصم منه لأسباب كثيرة ليس هنا مقام ذكرها.

٢- أن هذا المسلسل قطع السبيل على من يصف الجماعة بـ«المحظورة»، وصارت الجماعة، بغض النظر عما يقال فى شأنها، متابعة من الأمة كلها.

٣- سوف تكون هناك برامج حوارية على مستوى كثير من القنوات الفضائية، وسوف يدعى إليها بطبيعة الحال الإخوان المسلمون.. لذا أرجو أن يكونوا جاهزين بالعلم والموضوعية والإنصاف والرصانة.

٤- لا ينبغى أن نلقى بالاً لمسألة اختيار توقيت بث المسلسل وأن ذلك سوف تكون له آثاره على الانتخابات القادمة.. وأتساءل: من قال إنها سوف تكون آثارا سلبية؟ ومنذ متى كانت الانتخابات التى تجرى على أرض المحروسة نزيهة أو شبه نزيهة بحيث يقال إن محاولات تشويه الصورة سوف تؤثر سلبا على حقنا؟

■ ■ ■

إن الإمام المجدد حسن البنا كان فردا، لكنه ليس كباقى الأفراد.. كان فى ذاته أمة.. فالناس كما جاء فى الحديث «كإبل مائة لا تكاد تجد فيهم راحلة».. اجتمع له من الخصائص العبقرية والصفات الفذة ما أهله للقيام بدور من أعظم الأدوار، لا أقول فى تاريخ مصر الحديث ولكن فى تاريخ العرب والمسلمين، بل فى تاريخ البشرية فى هذه الحقبة المهمة من عمر الزمان.. إن من الرجال من يصنعهم الله على عينه.. ومنهم من تصنعه الأحداث وتكشف عنه المواقف..ومنهم من تتلقفه يد الإعداد والتربية فتهيئه لصناعة التاريخ.. كان الإمام البنا عالما، فقيها، ملهما، عبقريا، مبدعا، قائدا، زعيما، سياسيا، مربيا.. كان هذا كله، لكنه قبل ذلك وبعده كان ربانيا، فى خواطره وأفكاره وسلوكياته وأخلاقه وتعاملاته وحركاته وسكناته.. أخلص قلبه كله لله.. عاش له ومعه، ركن إلى جنبه، استعان به وتوكل عليه.. فكان الله تعالى له.. كان من هذا الصنف الذى يصنعه الله على عينه.. فى يناير من عام ١٩٩٢ كنت فى بيروت وأتيحت لى فرصة أن ألتقى العلامة محمد حسين فضل الله الذى رحل عن دنيانا منذ أشهر قليلة.. استمر اللقاء حوالى ساعة تقريبا، تحدث فى نصفها الأول عن الأستاذ الإمام المجدد حسن البنا، وقال- فيما أذكره- إنه سبق عصره بنصف قرن من الزمان.

من أسف أننى لم أر الإمام، فقد كان عمرى ست سنوات وقت استشهاده، لكنى عشت دهرا طويلا مع من عايشوه واغترفوا من فضله وعلمه وفقهه وروحه.. تحدثوا عنه كما العشاق المتيمين.. أحبوه حبا ملك عليهم شغاف قلوبهم.. ولم لا وقد رأوا فيه كل جليل وجميل ونبيل؟ قال أحدهم: لقد أدركنا من خلاله كيف كان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم يحبون رسول الله صلى الله عليه وسلم.. وقد حكى لى أحد علمائنا الأفاضل أن أحد التابعين قال لواحد من الصحابة: لو كنا مكانكم ما تركنا رسول الله يمشى على الأرض.. ثم استطرد قائلا: كنا حملناه على أعناقنا.. قال عالمنا: وهذا يدل على أن محبة الصحابة لرسول الله كانت أعظم من محبة التابعين له.. قلت: لعلى فهمت العكس.. قال: لا.. قلت: كيف؟ قال: لأن الصحابة هم الذين علموا التابعين كيف تكون عظمة المحبة، وجلال المحبة، وروعة المحبة!.. سألت يوما عمنا وشيخنا الحاج عباس السيسى رحمه الله، وهو من أظرف ظرفاء الإخوان وصاحب ألطف وأرق وأمتع رسالة قرأتها وهى «الذوق سلوك الروح»، سألته أن يصف لى الأستاذ الإمام فى كلمة، فقال: «الرجل المتوهج»، قرأتها للكاتب الأديب أحمد بهجت يصف بها الإمام.

لقد أشعل الإمام البنا فى قلبى وهج الإيمان، وأنار عقلى وبصيرتى بالفهم الدقيق والعميق للإسلام، وساقنى الله عن طريقه إلى درب الهداية والاستقامة والرشاد.. أشعر أن ولادتى بدأت مع فكر الأستاذ الإمام الذى ضمنه مجموعة الرسائل، مذكرات الدعوة والداعية، ومقالاته الثرية، فضلا عن خواطره المتألقة حول معانى القرآن الكريم.. قرأت بعد ذلك عشرات من أمهات الكتب لأئمة أعلام، فما زادنى ذلك إلا اقتناعا بعظمة الإمام.. قبل ذلك لم تكن هناك حياة بالمعنى الحقيقى للحياة.. كانت عدما، بلا هدف واضح ولا رسالة محددة ولا مضمون له قيمة ولا روح لها نصيب من التوثب أو الترقى.. مع الأستاذ الإمام انتقلت إلى العالم الرحب الفسيح.. إلى الحياة مع الله.. مع الآخرة.. مع الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم.. مع المصطفين الأخيار.. مع الشهداء الأبرار.. استطعت أن أطوى صفحة ضيقة وفارغة من حياتى، لأبدأ صفحة بل صفحات أخرى جديدة، شديدة الاتساع وغاية فى العمق، حياة لها قيمة ومعنى ووزن.. لم يكن الإمام البنا مجرد عالم أو فقيه، أو داعية كبقية الدعاة.. كان روحا وثابة، وجدانا متألقا، ومشاعر فياضة تتسلل فى رقة وعذوبة إلى عقلك وقلبك ووجدانك.. كان وهجا يفتح لك آفاق الدنيا بسهولة وسلاسة ويسر، ويأخذ بيدك فى رفق وحنان وعزم وقوة ليدلك على البداية الحقيقية للسيادة والسعادة.

■ ■ ■

لقد تجلّت عبقرية الأستاذ البنا فى استيعابه مجموعة من الدوائر المتشابكة والمتداخلة والمعقدة، الدائرة العالمية، دائرة العالم العربى والإسلامى، دائرة مصر، ودائرة الإخوان.. وبالرغم من كثرة التفاصيل إلا أن كل دائرة من هذه الدوائر كان لها حظها ونصيبها فى عقل وقلب الإمام.. كانت له رؤيته الثاقبة وثقافته الموسوعية وإحاطته الشاملة بما يجرى على مستوى العالم، وما يموج فيه من تيارات سياسية وفكرية ومذهبية وأيديولوجية وفلسفية وبؤر ساخنة وصراعات دموية.. ينظر إلى العالم أفقيا ورأسيا وكأنه يقرأ من كتاب مفتوح.. وهو فى الوقت ذاته مطلع على أحوال العالم العربى والإسلامى بكل ما فيه من مآس وآلام وأحزان، من انحسارات وانكسارات أفقدته ثقته بنفسه وجعلته ألعوبة فى يد غيره، من تخلف علمى وفكرى وجهل ثقافى ومعرفى ومرض بدنى ونفسى ووجدانى، من أزمات ومشكلات، وما يواجهه من تحديات ويفرض عليه من تبعات.. ثم هو دارس وملم بكل تفاصيل المجتمع المصرى من حيث مكامن قوته ونقاط ضعفه فى شتى المناحى، وعلى دراية كاملة بكل ما يحدث على ساحاته الفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.. وهو بعد ذلك، أو قبل ذلك، يقوم بهذا العمل الفذ فى تنشئة الإخوان والارتقاء بهم، علميا وفقهيا وروحيا وأخلاقيا، تنظيما وحركة.. إلخ..

كان يعرف من أين يبدأ، فى أى طريق يسير، وإلى أى هدف يتجه.. زودته العناية الربانية بطاقة إيمانية هائلة، وهمة عالية، وإرادة صلبة، وحركة لا تهدأ، وقلب رقيق، وعاطفة جياشة، وحس مرهف، ونفس أبية، وذهن متوقد، وذاكرة مذهلة، وعقل راجح، وحكمة بالغة.. لم يكن ينم سوى ساعتين أو ثلاث على الأكثر فى اليوم والليلة، ثم هو يعمل طول الوقت دون كلل أو ملل، كأنه فى سباق مع الزمن.. وهكذا شأن العباقرة الأفذاذ دائما.. أتته الشهادة التى كان يرجوها، وهو مازال بعد فى الثالثة والأربعين من عمره، وأبى كارهوه والحاقدون عليه أن تكون له جنازة، ولم يقم بتشييعه إلى مثواه الأخير سوى النساء.. رجل واحد فقط هو الذى جاء فى وداعه.. مكرم عبيد!

كان الأستاذ الإمام يعرف كل الإخوان، صغيرهم وكبيرهم، من فى الإسكندرية ومن فى أسوان، من فى المدينة ومن فى القرية.. ثم هو على وعى بكل أوضاعهم وأحوالهم.. من التقاه مرة فى حياته، وإن كان من عامة الناس، لم يحتج ولو بعد سنوات أن يسأله عن اسمه أو حاله ومن أين هو.. فى يوم من الأيام علم أن أخا فى إحدى القرى اعتزل إخوانه بسبب مشكلة بينهم.. ذهب إليه وكان أول ما سأل عنه.. بقرته التى يعتمد عليها، بعد الله تعالى، فى معاشه.. أليس ذلك عجيبا؟

كان لدى الإمام سحره وجاذبيته وقدرته الفائقة على مخاطبة الجماهير، فلا يمل سامعه، ولو مكث ساعات طويلة، بل يعطيه لبه ومشاعره.. كما كانت إمكاناته هائلة فى صياغة أعظم المعانى بعبارات موجزة وكلمات بسيطة، كان أسلوبه سهلا ممتنعا.. له وصايا عشر موجزة، كل الايجاز، لكنها تعد من أجمل وأروع ما كتب فى الدعوة والتربية والاجتماع والسياسة.. انظر إلى وصيته التى يقول فيها: «الواجبات أكثر من الأوقات فعاون أخاك على الانتفاع بوقته، وإن كانت لك مهمة فأوجز فى قضائها».. وانظر أيضا إلى هذه الوصية: «لا تكثر من الجدل فى أى شأن من الشؤون، فإن المراء لا يأتى بخير».. ثم انظر إلى وصيته: «تعرف على من تلقاه من إخوانك، فإن أساس دعوتنا الحب والتعارف»..

وتأمل هذه الوصايا: «قم إلى الصلاة متى سمعت النداء مهما تكن الظروف».. «لا تكثر من الضحك فإن القلب الموصول بالله ساكن وقور».. «تجنب غيبة الأشخاص وتجريح الهيئات، ولا تتكلم إلا بخير».. لقد كان رحمه الله لطيفا ظريفا، لا يجد غضاضة فى مداعبة إخوانه.. حكى لى الأستاذ محمد حامد أبوالنصر رحمه الله، الذى صار مرشدا فيما بعد، أن الإمام البنا نزل عليه ضيفا فى بيته بمنفلوط.. فى الصباح وبعد أن تناولا الإفطار، سأله الأستاذ أبوالنصر: فضيلتكم..تحب الشاى بمفرده واللبن بمفرده، أم نخلطهما معا؟ رد الإمام باسما ولكن بحسم: اسمع يا سيد محمد.. أنا لا أحب الخلط.. الشاى بمفرده واللبن كذلك.

رحم الله الأستاذ البنا وجمعنا به فى عليين، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

السبت، 28 أغسطس 2010

لأ .. وسعت منك قوي .. يا مفتري


الموضوح تحول من الخيال العلمي إلى الأفلام الهندي!!
حسن البنا يذهب إلى تاجر سلاح!!! بنفسه!! ويدور بينهما حوار كوميدي يظهر البنا كأشد الانتهازيين والنصابين والمتاجرين بالدين وبالجهاد!!! ثم مشهد أكثر كوميديا يتعلم فيه حسن البنا طريقة عمل المسدس من الصاغ محمود لبيب!! (مع العلم بأن المسدس الذي اشتراه من تاجر السلاح فى المشهد السابق مختلف تماما عن الذي تعلم عليه!! يعني هيه جت على دي) ثم مشهد داخل الجامعة لطلاب الإخوان البلطجية!! يتحرشون بطلاب الوفد!!! ثم زيارة طنطا التى تحولت إلى مجموعة من الهتافات ثم الهتافات ثم الهتافات !!! ثم الأكل طبعاً!!! في ضيافة البهي الخولي، الذي صوره بصورة شديدة السطحية، ومشهد مع الجوالة ليقنعهم بشرعية زيهم فى وصلة من الزعيق والتهكم على "شيوخ الجوامع"!! ثم توسع منه المسأله .. ويأتي بمشهد تعنيف على ماهر لحسن البنا لأن الإخوان لا يواجهون مظاهرات الوفد!!! ويصاب حسن البنا بالهلع!!لأن الملك هيزعل منه!!! ويشخط على ماهر فى حسن البنا "اسمع لما أقولك.. جلالة الملك فى أشد حالات الضيق!!!" وطبعا يسير الإخوان مظاهرات تهتف "عاش الملك نصير الإسلام !!- الله مع الملك!!!" والحمد لله إنها ما وسعتش أكتر وخلى المظاهرتين يتقابلوا ويضربوا فى بعض على غرار مشهد جامعة عين شمس فى الحلقة الأولى!! ثم يختم الحلقة الهندية بمشهد مضمونه قريب من الحقيقة (تبني الإخوان لنقابة معلمي التعليم الإلزامي) ولكنه كالعادة ملأه بالإيحاءات السلبية والغمز واللمز كما هو الحال فى جميع مشاهد المسلسل تقريبا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

طبعا خزعبلات الحلقة الثامنة عشرة هذه لا تحتاج إلى أكثر من الضحك على هذه الخلطة الغير منطقية (مع الإعتذار لإعلان دولسيكا بالعسلية) وانتظار الأسوأ فى الحلقات القادمة!! (حسب نظرية التطور الطبيعي للحاجة الساقعة، أقصد للحلقات)، وطبعا لست فى حاجة لذكر أن المراجع المظلومة والممتهنة بوضعها فى نهاية الحلقات لا تحتوى على أي من هذه الترهات، وسأبحث بمشيئة الله عن مراجع باللغة الهندية لعلى أجد أثر لهذا الإستهبال!!



الداعية المجاهد البهي الخولي - بقلم / المستشار عبدالله العقيل

معرفتي به

حين أكرمني الله بالتوجه إلى مصر للدراسة بكلية الشريعة سعدت برفقة إخوة كرام قَلّ أن يجود الزمان بمثلهم، ومنهم الأخ الدكتور يوسف القرضاوي، والأخ أحمد العسال، والأخ محمد الصفطاوي، والأخ محمد الدمرداش، وغيرهم من صفوة الشباب المسلم الأزهري، ومن خلال هؤلاء عرفتُ الأستاذ الكبير البهي الخولي الذي كان يتولى توجيههم بالدروس والمحاضرات، وبخاصة دروس الفجر، حيث كان يطلق على هذه المجموعة من الطلاب «كتيبة الذبيح» وقد أهداني الأخ العسّال الكتاب القيم للأستاذ الخولي وهو «تذكرة الدعاة» فقرأته بتأمل، ووجدت فيه من العلم الغزير والزاد الوفير ما يحتاجه كل داعية إلى الله، فهو كتاب قيم لا يستغني عنه الداعية والموجه، والخطيب، والمدرس، والواعظ، والمرشد.

وقد قال عنه الإمام الشهيد حسن البنا في تقديمه: «طالعت هذه التوجيهات، بل المحاضرات في أساليب الدعوة وتكوين الدعاة، فأعجبت بها وهششت لها، وشممت فيها بوارق الإخلاص والتوفيق إن شاء الله، ودعوت الله تبارك وتعالى أن يجعلها نافعة لعباده، موجهة لقلوب الناطقين بكلمته، والهاتفين بدعوته، وليس ذلك غريباً على كاتبها وملقيها الأخ الداعية المجاهد الأستاذ البهي الخولي، فهو بحمد الله صافي الذهن، دقيق الفهم، مشرق النفس، قوي الإيمان، عميق اليقين، أحسن الله مثوبته، وأجزل مكافأته، وبوأنا وإياه منازل من أحب من عباده فرضي عنهم ورضوا عنه»!. اهـ.

وعن هذا الكتاب القيم أقتبس لك فقرات مما قاله مؤلفنا وأستاذنا البهي الخولي ـ رحمه الله ـ: «واعلم يا أخي أن كل إنسان كائناً من كان ينطوي على مناجم إلهية من العبقريات العظيمة وإمداد من العزائم والهمم، وكنوز من الفضائل التي تنضر وجه الحياة، وتزدان بها الإنسانية، ولا سبيل إلى إثارة هذه المناجم النفيسة، إلا أن تثيرها باسم الله العلي الكبير، فاسم الله وحده هو مفتاح هذه الكنوز الربانية المغلقة، ولا يضع الله هذا المفتاح إلا في يد العبد الرباني الذي يتخلق بصفات الربانية الفاضلة، يجاهد نفسه حق المجاهدة ويقمع هواه في غير هوادة، فيفضي ذلك إلى ما شاء الله من بطولة وتوفيق: {وَالَّذِين جاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وإِنَّ الله لَمَعَ الْمُحْسِنين} [العنكبوت: 69].

وأنت واجد تفسير ذلك كله بصورة عملية واقعية في تاريخ الغر الميامين الذين خرّجهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وصاغهم بعين الله أبطالاً، فتحوا أقطار الأرض، لأنهم فتحوا قبل ذلك أقطار النفوس، وأضاؤوا الدنيا بنور الحق، لأنهم أطلعوا شموسه قبل ذلك في حنايا الصدور. وأسعدوا البلاد بنعمة العدل والحرية والإيثار، لأنهم بثقوا ينابيعها قبل في خفايا القلوب، وانبعثوا إلى تخليد الباقيات الصالحات من الأعمال والأخلاق والمبادئ، فأتوا من ضروب البطولات النفسية والمادية ما يدهش الألباب، ويعجز الأبطال، ويشبه الأساطير» اهـ.

وقد كتب المرحوم محمد الغزالي مقالاً تعريفياً بكتاب (تذكرة الدعاة) فقال رحمه الله: «في هذا الكتاب إيمان عميق صادق، وتصوف ناضج مهذب، وثقافة شرعية واسعة، وتحليل منسق للآيات والآثار، قد يدق، وقد يتضح، غير أنه لا يخلو قط من صيغة الإخلاص والحب والحرص الشديد على نفع القارئ وتسديد خطاه إلى الغاية السامية المرسومة له.. ولقد وددت مخلصاً لو أن إخواننا الوعاظ والأئمة والدعاة إلى الله طالعوا هذا الكتاب فهو ذخيرة كريمة يجدر اقتناؤها، وينبغي ألا تخلو مكتبات الإخوان منها»

ثم سعدتُ بالجلوس إليه وهو يلقي دروسه على صفوة من الإخوان، المراد إعدادهم ليكونوا نماذج صادقة للدعاة من حيث الكفاءة العلمية، والتربية الخلقية، والطبيعة التنفيذية، والحركة الدعوية، وكان حديثه في غاية العمق، يغوص على المعاني غوصاً، ويستخرج اللآلئ المكنونة من كتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم)، ويعرضها بأسلوب شيق وروح شفافة، وقلب حي مليء بمحبة الله ورسوله، غيور على الإسلام وأهله، حريص على إنقاذ الأمة من الضياع الذي تعيش فيه نتيجة تسلط الأعداء الذين صرفوا الناس عن الإسلام وحاربوا كل مظاهره ومشاعره.



وعن موقف الإخوان من نقابة معلمي التعليم الإلزامي، أنقل لكم من كتاب أحداث صنعت التاريخ:

الاتصال بالتجمعات فى مصر :

ولم يكن بمصر فى ذلك الوقت تجمعات ذات صبغة غير سياسية إلا (( نقابة معلمي التعليم الإلزامي )) حيث لم تكن قد تكونت نقابات مهنية ولا عمالية بعد ؛ فكانت هذه النقابة أكبر تجمع غير سياسي فى البلاد ، ويمتاز هذا التجمع بأنه تجمع مثقف ، وله فروع فى كل أنحاء القطر ، وكان أعضاؤه منتشرين فى العواصم والحواضر والمدن والقرى مهما نأت وصغرت .. ولم تكن هذه النقابة تجد فى مصر من يوليها عطفا ولا اهتماما .

كان الأستاذ المرشد يعرف كل ذلك عن النقابة ، وكان يحس نحوهم بعاطفة لأنه كان منهم فى يوم من الأيام ولأن هذه الفئة كانت فئة مطحونة من شدة ما كانت ترزح تحته من ظلم . فهذا المعلم - وكان المعلمون فى ذلك الوقت لا يعرفون إلا التفاني فى العمل والإخلاص فى أدائه - هذا المعلم كانت الحكومة تنظر إليه نظرة ازدراء فتمنحه أدنى مرتب لموظف فى الدولة ، وتحرم عليه الترقي مهما طالت سنواته فى العمل ... وقد انتهز الأستاذ سعة هذه الدار الجديدة ، وأوسع لهم فيها مكانا يعقدون فيه مؤتمراتهم وتعاون الإخوان معهم فى رفع مظالمهم إلى الحكام .

وهذه المجموعة الكبيرة من المعلمين - مع ما كانت ترمى به من ضيق الأفق وضحالة الثقافة ، أبرزت لنا فى مؤتمراتها بهذه الدار من الأدباء والخطباء والشعراء من يضاهئون الصفوة الممتازة من مشاهير الفنون فى مصر ؛ كم ألقوا من قصائد عصماء وخطب رنانة ؛ ولازالت تطن فى أذني حتى اليوم عبارة جاءت على لسان أحد خطبائهم إذ يقول : قولوا رئيس الوزراء (( ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين ؟ )) .. فكان من أروع ما سمعت من اقتباس .

أما الدعوة فقد اكتسبت الكثير من إفساح المجال فى دارها لمؤتمرات هذه النقابة العتيدة وتعاونها معهم ؛ فلقد شعر هؤلاء الناس بأن هذه الدعوة دعوتهم ، وأنها أجدر الدعوات بالانتماء إليها لأنهل هي وحدها التي فتحت صدرها لهم ولأنها هي دعوة القرآن ؛ فبعد أن كانت مؤتمراتهم عندنا يقتصر الحديث فيها على مطالبهم وشئونهم الخاصة ، رأينا هذه المؤتمرات تتناول شئون الدعوة كما يتناولها الإخوان أنفسهم ولازال عالقا بخاطري شطره من بيت قصيدة عامرة ألقاها أحد شعرائهم فى أحد هذه المؤتمرات وتناول دعوة الإخوان المسلمين ، وكيف أنها ملكت عليه مشاعره ، وصارت كل شئ فى حياته فيقول : يا ليت لي من بردها تكفيني .

وعن طريق هذه النقابة دخلت الدعوة كل مكان حتى النجوع والكفور ، فكان أعضاؤها هم حملة الراية حيثما كانوا ... وقد صاغت الدعوة منهم رجالا حملوا أعباء ، وخاضوا الغمرات ، وكانوا غرة فى جبين الدعوة الإسلامية وما وهنوا وما استكانوا .

كانت هذه الخطوة من الأستاذ المرشد من أعظم الخطوات المباركة التي أقدم عليها ، ودلت حقا على خبرته بالمجتمع الذى يعيش فيه وأعمق وأبعد مدى من خبرة قادة مصر فى ذلك العهد .



الصاغ محمود لبيب :

ضابط من ضباط الجيش ، كان من القلائل الذين كانت تجيش صدورهم بالحسرة علي ما آلت إليه حال بلادهم ، وكانوا يتناجون سرًا فيما بينهم ، وكانوا يبحثون عن وسيلة لإنقاذ هذه البلاد من ذل الاستعمار ، ومن غائلة الفساد الذي نشره في ربوعها . وكان من رعيل عزيز المصري وصالح حرب ، وكان ممن رحلوا إلي تركيا في أثناء أزمتها واضعًا نفسه رهن إشارتها للمحافظة علي الكيان الإسلامي الذي كانت تمثله في ذلك الوقت الخلافة الإسلامية ، وشارك في كل الحركات العسكرية التي قامت في مصر وفي غيرها والتي كانت بواعثها وطنية إسلامية .

وقد أحيل الاستيداع مبكرًا ولذا كان رتبة الصاغ (الرائد) ، ويبدو أن هذا الرجل كان خيرًا بطبعه وكان ميسور الحال ... جاء ذكر اسمه علي لساني مرة أمام والدي رحمه الله فقال لي إنه يعرفه إذ كان والدي منتدباً ناظرًا لمدرسة بوغاز رشيد – وكان ذلك في أوائل الثلاثينيات – فذكر موظفو فنار رشيد أن نقطة السواحل التي بجانبهم جاءها ضابط يرأسها اسمه محمود لبيب من أتقي الناس ومن أحسنهم معاملة لمرءوسيه وللناس جميعًا ، ولم يحضر إلي هذه النقطة ضابط نال إعجاب جميع الناس والكل يحبونه إلا هذا الضابط ، قال لي والدي : وقد تعرفت عليه وجلست معه فشعرت بعاطفته الإسلامية الجارفة وجدتني أحببته ، إلا أن إقامته في هذه النقطة لم تطل .

تعرف هذا الرجل علي الأستاذ المرشد مبكرًا في أواخر الثلاثينيات ، وكان الأستاذ يحبه ويحترمه ، وكان الرجل – وقد تعرفنا عليه – قليل الكلام .. وكان نواة التكوينات الإخوانية في الجيش كما أنه كان المشرف علي تنظيم التدريبات العسكرية للمدنيين من الإخوان سواء من كان منهم في "النظام الخاص" وغيره، وكان هو ممثل الإخوان في لجان الاتصال بين الإخوان وبين الجامعة العربية في إعداد متطوعي الإخوان لحرب فلسطين وكان من القلائل الذين كانوا يفهمون الإسلام دينًا ودولة، وما كاد يعلم بظهور الإخوان المسلمين حتى ألقي بنفسه وماله ووقته وكل مواهبه بين أيديهم ، فقد كانوا أمنيته وحلمه الذي تحقق ... وكان هذا الرجل الصامت من أكثر الإخوان إنتاجًا ، ولم يقبل أن يكون له منصب رسمي من مناصب الهيئة لأنه كان يكره أن يعرف الناس إنتاجه ... ومع أنه لم يكن له منصب رسمي في الدعوة فقد كان الأستاذ المرشد يكل إليه كل ما هو عسكري فيها فكان بمثابة وكيل الدعوة في الشئون العسكرية ... وقد لعب في حرب فلسطين سنة 1948 دورًا عظيمًا .